الإسراء · الآية 20

﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا

«كُلًّا»: الاستيعابُ يَسبِقُ الفِعلَ ويَسبِقُ الفَريقَين

أوَّلُ كَلِمةٍ في الآيةِ مَفعولٌ مَنصوبٌ قُدِّمَ على فِعلِه، فجاءَ «كُلًّا نُّمِدُّ» دونَ «نُمِدُّ كُلّاً»، ولَو جاءَ على هذا لَوَقَعَ الاستيعابُ بَعدَ العَمَل، وبِالتَّقديمِ سُمِعَ الاستيعابُ قَبلَ أن يُسمَعَ الفِعل، وقَبلَ أن يُذكَرَ أحَدُ الفَريقَين.

و«كُلًّا» مُنَوَّنةٌ تَنوينَ عِوَضٍ عَمّا حُذِفَ بَعدَها. وأصلُ ك-ل-ل حَوزٌ يَستَوعِبُ ما تَحتَه فلا يَدَعُ خارِجَه شَيئاً، ومنه الإكليلُ لِما أحاطَ بِالرَّأسِ فلم يَدَعْ منه جِهةً، وكَلَّلَ الشَّيءَ إذا أحاطَ بِه. فالآيةُ تَفتَتِحُ بِحَوزٍ لا يَستَثني، ثُمَّ تَشُقُّه بَعدَ ذلكَ فَريقَين.

«نُّمِدُّ»: مَدَدٌ يَتَّصِلُ لا عَطِيّةٌ تُدفَعُ مَرّة

وأوثِرَ في الفِعلِ «نُّمِدُّ» على «نُعطي»، وهو من م-د-د، ومَدارُ الجَذرِ على نَفاذٍ يَمتَدُّ ويَستَرسِل، ثُمَّ تُضاعَفُ الدّالُ فيَثبُتُ الدَّفعُ ويَتَتابَع. فالمَدَدُ زِيادةٌ مَوصولةٌ بِأصلِها، لا دُفعةٌ تُدفَعُ ويَنقَطِعُ ما بَعدَها، ومنه مَدَّ النَّهرَ نَهرٌ آخَرُ إذا جَرى فيه فزادَه وهو مُتَّصِلٌ بِه.

والصّيغةُ مُضارِعةٌ بِضَميرِ المُتَكَلِّم، وهو الضَّميرُ نَفسُه الذي قالَ في أُولى هذه الآياتِ «عَجَّلْنَا» و«جَعَلْنَا»، ثُمَّ غابَ عن الآيةِ الثّانِيَةِ غِياباً تامّاً، فأوَّلُ ما يَعودُ بِه أن يَمُدَّ الفَريقَينِ مَعاً.

«هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ»: لَفظٌ واحِدٌ يُشارُ بِه إلى المُختَلِفَين

وقد فَرَّقَت آيَتانِ أشَدَّ التَّفريق: هذا طَلَبَ العاجِلةَ فصَلِيَ، وهؤُلاءِ أرادوا الآخِرةَ وسَعَوا فشُكِرَ سَعيُهُم. ثُمَّ جاءَتِ الثّالِثةُ فأشارَت إلى الفَريقَينِ بِلَفظٍ واحِدٍ مُعاد: «هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ»، فلا يُسَمّى أحَدُهُما ولا يُوصَف، ولا يُقَدَّمُ أحَدُهُما بِلَفظٍ أرفَعَ من لَفظِ صاحِبِه، وبَينَ الإشارَتَينِ المُتَماثِلَتَينِ حَرفُ عَطف.

وأدَقُّ من ذلك مَوقِعُ الإشارة، فقد خَتَمَتِ الآيةُ قَبلَها بِـفَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾، وهي إشارةٌ إلى البَعيد، ويُشارُ هُنا إلى الفَريقَينِ جَميعاً بِإشارةِ القَريب. فالمَشكورُ سَعيُهُم لم يُبعَدْ عن صاحِبِه في هذه الآية، وقد جُعِلا مَعاً في مَدىً واحِدٍ تُشارُ إليه اليَد.

«مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ»: بَعضٌ من مَورِدٍ لا يُسَمّى قَدرُه

والفِعلُ في الآيةِ من م-د-د، وأمّا العَطاءُ فهو المَورِدُ الذي منه تَمُدّ، وليسَ فِعلَها. و«مِن» تَبعيضِيّة، فالذي يَنزِلُ على الفَريقَينِ بَعضٌ، ولم يُذكَرْ لِلكُلِّ حَدّ.

وأصلُ ع-ط-و قَبضٌ يَلتَحِمُ في العُمق، ثُمَّ انبِساطٌ عَريضٌ ثَقيلٌ بَعدَ حَبس، ثُمَّ انفِراجٌ يُفضي إلى ما بَعدَه، ومنه عَطا يَعطو إذا تَناوَلَ بِيَدِه، والظَّبيُ العاطي هو الرّافِعُ يَدَيهِ إلى الشَّجَرِ يَتَناوَلُ منه، والمُعاطاةُ أن يُناوِلَ كُلُّ واحِدٍ صاحِبَه. فالمادّةُ مادّةُ يَدٍ تَمتَدُّ فتَضَعُ ما فيها في مُتَناوَلِ غَيرِها، وآخِرُ حُروفِها يُفضي بِالقَبضةِ ولا يَعقِدُها على صاحِبِها.

ومَحَلُّ النَّظَرِ ما سَكَتَت عنه الآيةُ فلم تُسَمِّه: فلم تُسَمِّ المَمدودَ بِه ما هو، ولم تُسَمِّ المَمدودَ لَه بِاسمٍ ولا وَصف، وسَمَّتِ العَطاءَ بِمَن هو لَه وَحدَه: «رَبِّكَ». وأعادَتِ الإضافةَ مَرّةً ثانِيَةً في آخِرِ الآية، وعُدِلَ فيها عن «عَطاؤُه»، فالنِّسبةُ تُذكَرُ كامِلةً في المَرَّتَين. وليسَ المُخاطَبُ بِالكافِ واحِداً من الفَريقَين، فالعَطاءُ يَنزِلُ على هؤُلاءِ وهؤُلاء، ويُقالُ لِثالِثٍ إنَّه عَطاءُ رَبِّه.

«وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا»: سِياجٌ يُذكَرُ لِيُنفى

وآخِرُ كَلِمةٍ في الآيةِ سِياج، وأصلُ ح-ظ-ر تَضييقٌ يَحتَوي في الباطِن، ثُمَّ حَجبٌ يُطبِقُ عَلَيه، ثُمَّ جَريانٌ يُديرُه، ومنه الحَظيرةُ لِما أُديرَ حَولَ الشَّيءِ فمَنَعَ الدُّخولَ إليه والخُروجَ عنه. فـ«مَحْظوراً» اسمُ مَفعول، ومَعناه مُحاطٌ بِه بِما يَمنَع.

وعُدِلَ في النَّفيِ عن «لَيسَ» إلى «ما كانَ»، وهي تَنفي عن المَوصوفِ أن يَكونَ كَذلكَ في مُضِيِّه كُلِّه، لا في هذه الحالِ وَحدَها، فالنَّفيُ يَستَغرِقُ المُدّةَ دونَ اللَّحظة.

وجَذرُ العَطاءِ يَنتَهي بِحَرفٍ يُفضي ولا يَنغَلِق، وجَذرُ الحَظرِ لا يَعمَلُ إلّا الإغلاق، فالآيةُ تَجعَلُ الثّانيَ خَبَراً عن الأوَّلِ ثُمَّ تَنفيه، وقد سُمِّيَ السِّياجُ لِيُقالَ إنَّه لم يَقُمْ قَطُّ.

و«كانَ» هذه ثالِثةُ ثَلاثٍ في ثَلاثِ آياتٍ مُتَتابِعة، حَمَلَت في الأولى حالاً تُقيمُ «كَانَ يُرِيدُ»، وفي الثّانِيَةِ حُكماً وَقَعَ «كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا»، وهي تَحمِلُ في الثّالِثةِ نَفياً لا يَنقَطِع.

فمَبدَأُ الآيةِ حَوزٌ لا يَستَثني، وخِتامُها سِياجٌ لم يُبنَ.


حَصيلة

قُدِّمَ المَفعولُ على فِعلِه فسُمِعَ الاستيعابُ قَبلَ العَمَلِ وقَبلَ ذِكرِ الفَريقَين: «كُلًّا»، وهو من جَذرٍ يَحوزُ ما تَحتَه فلا يَدَعُ خارِجَه شَيئاً. وأوثِرَ في الفِعلِ «نُّمِدُّ» على «نُعطي»، وهو من م-د-د، زِيادةٌ مَوصولةٌ بِأصلِها تَتَتابَعُ ولا تَنقَطِعُ عِندَ دُفعة. والفَريقانِ اللَّذانِ فَرَّقَت بَينَهُما آيَتانِ يُشارُ إليهِما بِلَفظٍ واحِدٍ مُعادٍ لا يُقَدَّمُ فيه أحَدُهُما: «هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ»، وبِإشارةِ القَريبِ بَعدَ أن كانَت في الآيةِ قَبلَها إشارةَ البَعيد. والمَورِدُ «مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ»، و«مِنْ» فيه لِلتَّبعيضِ لا لِلاستيعاب، ومادّةُ ع-ط-و قَبضٌ في العُمقِ يَنبَسِطُ عَريضاً ثُمَّ يُفضي فلا يَنغَلِق. ولا تُسَمّي الآيةُ ما مُدّوا بِه ولا مَن هُم، وتُسَمّي العَطاءَ بِمَن هو لَه، مُضافاً إلى الرُّبوبِيّةِ مَرَّتَينِ لا مَرّةً واحِدة، والمُخاطَبُ بِالكافِ خارِجَ الفَريقَين. ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِاسمِ مَفعولٍ من ح-ظ-ر، وهو إحاطةٌ تَحجُبُ وتَمنَع، مَنفِيّاً بِـ«ما كانَ» نَفياً يَستَغرِقُ المُدّةَ كُلَّها. فالعَطاءُ يَنزِلُ على الفَريقَينِ مَعاً، ولا سِياجَ بَينَه وبَينَ أحَدِهِما.