الإسراء · الآية 25

﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا

بَعدَ آيَتَينِ في الظّاهِرِ يَنقَلِبُ الخِطابُ إلى الباطِن

ما سَبَقَ كُلُّه ظاهِرٌ يُرى ويُسمَع: لا تَقُلْ، لا تَنهَرْ، قُلْ، اخفِضْ، قُلْ، وهي أوامِرُ لِلِّسانِ واليَد، وكُلُّ بَندٍ فيها يُمكِنُ أن يُؤَدّى وأن يُشهَدَ أداؤُه.

ثُمَّ تَلتَفِتُ الآيةُ فَجأةً إلى ما لا يُرى، فلا زِيادةَ في الأحكام، ولا حُكمَ جَديدٌ يُضاف، وإنَّما هو إخبارٌ واحِدٌ يُغَيِّرُ مَوقِعَ القارِئِ من كُلِّ ما قَرَأ.

وهذا الإخبارُ هو ما يَجعَلُ الأوامِرَ مُمكِنة، وليسَ وَعيداً أُلحِقَ بِها. والجَناحُ يُخفَضُ بِمَشَقّةٍ فيُرى مَخفوضاً، أمّا مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ فلا يَراهُ أحَد، والحُكمُ المُعَلَّقُ على مَنبَعٍ خَفِيٍّ يَحتاجُ إلى مَن يَبلُغُ المَنبَع.

«رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ»

و«رَبُّكُمْ» بِالجَمعِ الآن، وقد كانَ النِّداءُ في الآيةِ قَبلَها مُفرَداً: «رَبِّ ارْحَمْهُمَا»، والاسمُ الذي حُمِلَ إليه الطَّلَبُ هو الاسمُ الذي يُخبَرُ عنه بِالعِلم، فالسّائِلُ يَسألُ بِه، ورَبُّه يَعلَمُ بِما في نَفسِه وهو يَسأل.

و«أَعْلَمُ» أفعَلُ تَفضيلٍ حُذِفَ طَرَفُه الثّاني، فلم يُذكَرِ المُفَضَّلُ عَلَيه، والمَحذوفُ يَقَعُ على أقرَبِ مَذكور، وهُمُ المُخاطَبونَ أنفُسُهُم، والمَعنى: أعلَمُ بِما في نُفوسِكُم مِنكُم.

وأوثِرَ «بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ» على «بِنُفُوسِكُمْ»، فالخَبَرُ عن مَعرِفةِ ما في الأوعِيةِ دونَ الأوعِيةِ نَفسِها. والوِعاءُ ظاهِرٌ لِصاحِبِه، والذي فيه قد يَخفى عَلَيه هُوَ أيضاً.

«إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ»: شَرطٌ على الكَونِ لا على العَمَل

وعُدِلَ عن «إن تَعمَلوا صالِحاً» إلى «إن تَكونوا صالِحين»، فالشَّرطُ مَوضوعٌ على ما يَكونُه المُخاطَبونَ دونَ ما يَفعَلونَه، وهو يُطابِقُ الشَّطرَ الأوَّلَ مُطابَقةً تامّة: عِلمٌ بِما في النُّفوس، فشَرطٌ في حالِ النَّفس.

ولِذلك لا يَقَعُ هذا الشَّرطُ حَشواً بَعدَ أحكامٍ مُفَصَّلة، فالأحكامُ تَطلُبُ أداءً، والشَّرطُ يَطلُبُ أن يَكونَ الأداءُ صادِراً عن حال.

«فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا»: الجَوابُ يُبَدِّلُ الوَصف

والشَّرطُ قالَ «صَالِحِينَ»، والجَوابُ قالَ «لِلْأَوَّابِينَ»، وهُما لَفظانِ مُختَلِفان، ولَو أُريدَ التَّطابُقُ لَجاءَ «فإنَّه لِلصّالِحينَ غَفور»، وهذا مَحَلُّ النَّظَرِ في الآية.

فالشَّرطُ يَطلُبُ صَلاحاً، والجَوابُ يَعِدُ مَن يَؤوب. وأصلُ الأوبِ (أ-و-ب) انفِصالٌ عن مَوضِعٍ يَمتَدُّ زَمَناً ثُمَّ يَعقُبُه رُجوعٌ يَتَّصِلُ بِه، فالمَوعودُ هو الذي خَرَجَ ثُمَّ رَجَع، لا الذي لم يَخرُجْ.

و«الأَوَّابِينَ» على فَعّال، وهي صيغةُ مَن كَثُرَ مِنه الفِعلُ حتّى صارَ له صِفة، فالمُرادُ رُجوعٌ صارَ عادةً، غَيرُ أوبةٍ واحِدة. وهذا يَقتَضي خُروجاً مُتَكَرِّراً، إذ لا يَتَعَوَّدُ الرُّجوعَ مَن لا يَغيب.

و«كَانَ ... غَفُورًا» خَبَرٌ عن صِفةٍ ثابِتةٍ لا وَعدٌ بِفِعلٍ مُقبِل. ومَدارُ الغَفرِ (غ-ف-ر) على غِطاءٍ يُلبَسُ الشَّيءَ فيَلزَمُه فلا يَظهَرُ ما تَحتَه، والغِطاءُ يَمنَعُ ظُهورَ المُغَطّى ولا يَنفيه.

فالآيةُ تُطالِبُ بِالصَّلاحِ ثُمَّ تَفتَحُ لِلمُخفِقِ باباً يُقاسُ بِأوبَتِه لا بِإخفاقِه، والمُشتَرَطُ على المُخاطَبِ أن يَرجِعَ إذا خَرَج، ولَيسَ عَلَيه ألّا يَخرُج.


حَصيلة

بَعدَ آيَتَينِ كُلُّهُما لِسانٌ ويَد، يُصرَفُ الخِطابُ إلى ما لا يُرى، والاسمُ الذي حُمِلَ إليه الطَّلَبُ في الآيةِ قَبلَها هو الاسمُ الذي يُخبَرُ عنه هُنا بِالعِلم. و«أَعْلَمُ» بِلا طَرَفٍ ثانٍ يَقَعُ على أقرَبِ مَذكور، فالمُفَضَّلُ عَلَيهِم هُمُ المُخاطَبونَ في عِلمِهِم بِأنفُسِهِم، و«بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ» تَنقُلُ العِلمَ من الوِعاءِ إلى ما فيه. ثُمَّ يوضَعُ الشَّرطُ على الكَونِ لا على العَمَلِ فيُطابِقُ الشَّطرَ الأوَّلَ مُطابَقةً تامّة. ثُمَّ يُبَدِّلُ الجَوابُ الوَصفَ فيَعدِلُ عن «لِلصّالِحينَ» إلى «لِلْأَوَّابِينَ»، وهي صيغةُ مَن كَثُرَ مِنه الرُّجوعُ حتّى لَزِمَه، والرُّجوعُ لا يَتَكَرَّرُ إلّا لِمَن يَغيب. والفَجوةُ بَينَ اللَّفظَينِ هي كُلُّ ما في الآيةِ من فَرَج: فالمَطلوبُ أن يَرجِعَ مَن خَرَج، لا ألّا يَخرُج.