الإسراء · الآية 26

﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا

«وَآتِ ... حَقَّهُ»: تَسليمٌ لا تَفَضُّل

المَفعولُ الثّاني «حَقَّهُ» بِضَميرٍ يَعودُ إلى الآخِذ، وعُدِلَ عن «وآتِ ذا القُربى مالاً» وعن «عَطاءً»، فسُمِّيَ المُعطى حَقّاً، ونُسِبَ إلَيه هُوَ.

وأصلُ الحَقِّ (ح-ق-ق) انطِباقُ الشَّيءِ على مِقدارِه لا فَضلَ فيه ولا نَقص، ومنه الحُقُّ الذي يُطابِقُ غِطاؤُه فَمَه. فما يُعطى مِقدارٌ مَعلومٌ مُطابِقٌ لِمَحَلِّه، وليسَ زِيادةً يَتَبَرَّعُ بِها الباذِل.

فالفِعلُ في الآيةِ نَقلُ يَدٍ لا تَوليدُ حَقّ، ويَدُ الآخِذِ مَذكورةٌ في الضَّميرِ قَبلَ أن تُبسَط.

«وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ»: مَعطوفانِ يَأخُذانِ الحُكمَ مَعَه

ولم يُعَدْ لَفظُ «حَقَّهُ» مَعَ الثّاني ولا الثّالِث، فقد عُطِفا على المَفعولِ الأوَّل، والكَلِمةُ الواحِدةُ تَحكُمُ الثَّلاثةَ جَميعاً، فالمِسكينُ يَأخُذُ حَقّاً، وابنُ السَّبيلِ يَأخُذُ حَقّاً.

والثَّلاثةُ يُسَمّى كُلُّ واحِدٍ مِنها بِجِهةٍ أُخرى: الأوَّلُ بِنِسبَتِه إلى المُعطي، والثّاني بِحالِه في نَفسِه، والثّالِثُ بِطَريقٍ هو عَلَيه، فالقُربُ يَتَّسِعُ حَتّى يَبلُغَ عابِرَ سَبيلٍ لا نِسبةَ بَينَه وبَينَ المُعطي.

والتَّرتيبُ اتِّساعٌ لِلدّائِرة، وليسَ تَفاضُلاً في المِقدار: مِمَّن يُعرَفُ بِاسمِه، إلى مَن يُعرَفُ بِحاجَتِه، إلى مَن لا يُعرَفُ عنه إلّا أنَّه في الطَّريق.

«وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا»: نَهيٌ يَقَعُ في مَوضِعِ الأمر

وجاءَ النَّهيُ عن التَّبذيرِ في النَّفَسِ نَفسِه الذي أمَرَ بِالإيتاء، بِلا آيةٍ بَينَهُما ولا فاصِلٍ يُغَيِّرُ المَوضوع، واليَدُ المَأمورةُ بِالبَسطِ هي المَنهِيّةُ عن النَّثر.

والمَفعولُ المُطلَقُ «تَبْذِيرًا» يَحصُرُ النَّهيَ في الفِعلِ نَفسِه دونَ مِقدارِه، فالمَعنى: لا تَفعَلِ الفِعلَ الذي هذا اسمُه، وليسَ المَعنى «لا تُبَذِّرْ كَثيراً». والمَصدَرُ يُعيدُ الفِعلَ لِيُحَدَّ بِنَفسِه.

وأصلُ البَذرِ (ب-ذ-ر) إخراجُ الشَّيءِ من وِعائِه نَثراً مُتَفَرِّقاً لا يُقصَدُ بِه مَحَلٌّ بِعَينِه، فالباذِرُ يَنثُرُ الحَبَّ على الأرضِ ولا يَضَعُه حَبّةً حَبّةً في مَوضِعٍ يُسَمّيه.

وهُنا يَبينُ الحَدُّ الذي تَرسُمُه الآية، وهو في وُجودِ يَدٍ في الطَّرَفِ الآخَر، وليسَ حَدّاً في الكَمّ. فـ«آتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ» فيها آخِذٌ مُسَمّىً ومِقدارٌ مَنسوبٌ إليه، و«تَبْذِيرًا» لَيسَ فيها آخِذٌ البَتّة، والبَذرُ يُعرَفُ بِأنَّه لا يَعرِفُ إلى مَن، ولا يُعرَفُ بِمِقدارِه.


حَصيلة

المُعطى يُسَمّى «حَقَّهُ» بِضَميرٍ يَعودُ إلى الآخِذ، والحَقُّ في جَذرِه انطِباقٌ على مِقدارٍ لا فَضلَ فيه ولا نَقص، فالفِعلُ نَقلُ يَدٍ لا تَوليدُ اسْتِحقاق. ثُمَّ يُعطَفُ اثنانِ على الأوَّلِ فتَحكُمُهُما كَلِمةُ «حَقَّهُ» نَفسُها من غَيرِ إعادة، وتُسَمّى الثَّلاثةُ بِثَلاثِ جِهات: نِسبةٌ إلى المُعطي، وحالٌ في نَفسِه، وطَريقٌ هو عَلَيه، فتَتَّسِعُ الدّائِرةُ ولا يَتَغَيَّرُ الحُكم. ثُمَّ يَجيءُ النَّهيُ في النَّفَسِ نَفسِه، ويُقَيَّدُ بِمَفعولٍ مُطلَقٍ يَحصُرُه في الفِعلِ لا في مِقدارِه، والبَذرُ في جَذرِه نَثرٌ يَخرُجُ من وِعائِه لا يُقصَدُ بِه مَحَلٌّ يُسَمّى. فالفَرقُ بَينَ الأمرِ والنَّهيِ في وُجودِ يَدٍ تَنتَظِرُ ما يَخرُجُ من اليَد، وليسَ في كَمِّ ما يَخرُج.