الإسراء · الآية 77

﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا

«سُنَّةَ»: لَفظٌ يُنصَبُ ولا يَبتَدِئُ كَلاماً

تَبدَأُ الآيةُ بِاسمٍ مَنصوبٍ لا يَظهَرُ فِعلٌ يَعمَلُ فيه، وهذا وَحدَه يَصِلُها بِما قَبلَها وَصلاً لا يَنفَكّ، فهي تَسمِيَةٌ لِما مَضى، لا خَبَرٌ جَديدٌ يُستَأنَف.

فما ذُكِرَ في الآيةِ السّابِقةِ عن قِلّةِ اللُّبثِ مَجرىً، ولم يَكُنْ حادِثةً تُروى، والآيةُ تُسَمّيه بِاسمِه بَعدَ أن أظهَرَت أثَرَه.

و«السُّنّة» من س-ن-ن، وأصلُ الجَذرِ مَجرىً مَحصورٌ يُعادُ عَلَيه حَتّى يَنتَظِم، ومنه سَنُّ الحَديدةِ بِإمرارِها على المِسَنِّ مِراراً في مَجرىً واحِدٍ حَتّى تَحُدّ، فالسُّنّةُ أُخدودٌ حَفَرَتْه الإعادة، وما حَفَرَه التَّكرارُ يَهدي مَن دَخَلَه.

«مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا»: قانونٌ لا اسمَ فيه

وفي الآيةِ ثَلاثةُ قُيودٍ، ولَيسَ واحِدٌ مِنها اسماً: «مَن» مَوصولٌ مُبهَم، و«قَبْلَكَ» رُتبةٌ تُقاسُ بِالمُخاطَبِ وَحدَه، و«مِن رُّسُلِنَا» إضافةٌ تُعَيِّنُ المُرسِلَ دونَ المُرسَل.

فالقانونُ يُقالُ ولا يُعَلَّقُ بِأحَد، ولَو ذُكِرَ اسمٌ لَصارَ الكَلامُ في رَجُلٍ ومَعَه قَومُه، ولَجازَ لِلسّامِعِ أن يَقولَ: تِلكَ حالُهُم لا حالُنا، وإذ لم يُذكَرْ بَقِيَ الحُكمُ عارِياً مِمّا يُقَيِّدُه.

والإضافةُ تَنتَقِلُ في الآية، فتُنسَبُ السُّنّةُ أوَّلاً إلى مَن جَرَت عَلَيهِم في «سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا»، ثُمَّ تُنسَبُ في آخِرِ الآيةِ إلى مَن سَنَّها في «لِسُنَّتِنَا»، فهي طَريقٌ واحِدٌ يُنسَبُ مَرّةً إلى سالِكيه ومَرّةً إلى حافِرِه.

«وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا»: نَفيٌ يَقَعُ على الوِجدانِ ثانِيَةً

و«لَا تَجِدُ» مَرَّتانِ في ثَلاثِ آيات، فقَبلَها ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾، وهُنا لا تَجِدُ لِلسُّنّةِ تَحويلاً، والفِعلُ واحِدٌ والمَنفيُّ يَتَبَدَّل: مَن يَنصُرُ مَرّة، وما يُحَوِّلُ مَرّة.

والوِجدانُ لِقاءٌ يَبرُزُ فيَثبُت، فالنَّفيُ هُنا نَفيٌ لِأن يَقَعَ المُخاطَبُ على التَّحويل، ولَيسَ إخباراً بِأنَّ التَّحويلَ مُمكِنٌ ولَم يُوجَد. والمُخاطَبُ يَبحَثُ، والآيةُ تُخبِرُه بِنَتيجةِ البَحثِ قَبلَ أن يَبدَأ.

و«التَّحويل» من ح-و-ل، وأصلُ الجَذرِ نُفوذٌ يَشُقُّ طَريقَه في الضّيقِ حتّى يَنسابَ خارِجَه إلى حالٍ غَيرِها، فالمَنفيُّ إدارةُ الشَّيءِ عن مَحَلِّه، لا تَبديلُ ما فيه، كالطَّريقِ لا يُنقَلُ إلى وادٍ آخَر.

وهذا اللَّفظُ بِعَينِه سَبَقَ في السّورةِ نَكِرةً بِلا مَفعولٍ أيضاً، في فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾، فنُفِيَ هُناكَ عن المَدعُوِّينَ أن يَملِكوه، ويُنفى هُنا أن يوجَدَ لِلسُّنّةِ أصلاً، فذاكَ عَجزٌ عن التَّحويل، وهذا انتِفاءٌ لِلتَّحويل.


حَصيلة

اسمٌ مَنصوبٌ يَفتَحُ الآيةَ بِلا فِعلٍ ظاهِر، فيَصيرُ ما قَبلَه مِثالاً وما بَعدَه حُكماً. و«السُّنّة» أُخدودٌ حَفَرَتْه الإعادةُ حَتّى انتَظَم، لا حادِثةٌ وَقَعَت مَرّة. ثُمَّ تَأتي ثَلاثةُ قُيودٍ لَيسَ في واحِدٍ مِنها اسم: مَوصولٌ مُبهَم، ورُتبةٌ تُقاسُ بِالمُخاطَب، وإضافةٌ تُعَيِّنُ المُرسِلَ وَحدَه، فالقانونُ يُقالُ عارِياً مِمّا يُقَيِّدُه، ولا يُترَكُ لِلسّامِعِ أن يَجعَلَه حالَ قَومٍ بِأعيانِهِم. ثُمَّ تَنتَقِلُ الإضافةُ من السّالِكينَ إلى الحافِر، من «سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا» إلى «لِسُنَّتِنَا». وتُختَمُ الآيةُ بِنَفيٍ يَقَعُ على الوِجدانِ دونَ الإمكان، وبِلَفظٍ نَكِرةٍ بِلا مَفعولٍ فيَتَّسِعُ لِكُلِّ تَحويل، والسُّنّةُ أُخدودٌ لا يُدارُ عن مَوضِعِه، ومَن سارَ فيه عَرَفَ إلى أينَ يَنتَهي قَبلَ أن يَصِل.