الإسراء · الآية 75

﴿إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا

«إِذًا»: جَزاءٌ مُعَلَّقٌ على ما لم يَقَع

تَفتَتِحُ الآيةُ بِـ«إِذًا»، وهي حَرفُ جَوابٍ وجَزاءٍ يُعَلِّقُ ما بَعدَه بِما قَبلَه، ولا يُبتَدَأُ بِه كَلام.

والذي قَبلَها لم يَقَع، والرُّكونُ الذي كِيدَ إليه مُنِعَ بِالتَّثبيت، فالجَزاءُ كُلُّه مَبنيٌّ على شَرطٍ سَقَط، وهذا الوَعيدُ الثَّقيلُ إخبارٌ عمّا كانَ سَيَكونُ لو كان.

وهذا الحَرفُ يَتَرَدَّدُ في هذا المَوضِعِ ثَلاثاً: وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾، ثُمَّ هذه، ثُمَّ وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فهي ثَلاثةُ جَواباتٍ لِثَلاثِ مُقارَبات، لم تَقَعْ واحِدةٌ مِنها، والآياتُ تُظهِرُ بِها ثِقَلَ ما لم يَحدُث.

«لَّأَذَقْنَاكَ»: عُقوبةٌ تُقَدَّمُ ذَوقاً

والذَّوقُ أقصَرُ الطُّرُقِ بَينَ الشَّيءِ ومَن يُدرِكُه، وهو مُماسّةٌ في الفَمِ يَقَعُ بِها العِلمُ دَفعةً واحِدة، ويَكفي مِنها أقَلُّ القَليل.

وعُدِلَ عن «لَصَبَبْنا عَلَيك» و«لَأنزَلْنا بِك» إلى «لَّأَذَقْنَاكَ»، على وَزنِ أفعَلَ، أي جَعَلْناكَ تَذوق، فالمُضاعَفُ يُوضَعُ على اللِّسانِ لِيُعرَفَ ما هو، ولا يُوصَفُ بِمِقدارِه.

واللّامُ في «لَّأَذَقْنَاكَ» لامُ الجَوابِ المُؤَكَّد، فالتَّوكيدُ لاحِقٌ بِالجَزاءِ دونَ الواقِع، والمُؤَكَّدُ أنَّه كانَ سَيَقَع، كما أنَّ المُؤَكَّدَ أنَّه لم يَقَع.

«ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ»: كَلِمةٌ تُعادُ ولا تُقتَسَم

وكانَ يُمكِنُ أن يُقالَ «ضِعْفَ الحَياةِ والمَمات»، فيَكونَ تَضعيفٌ واحِدٌ مَوزَّعٌ على أمرَين، غَيرَ أنَّ اللَّفظَ أُعيدَ، فضِعفٌ لِهذه وضِعفٌ لِتِلك.

وبَينَ الصّورَتَينِ فَرق، فالمُشتَرَكُ يَنقَسِمُ فيَخِفُّ نَصيبُ كُلِّ طَرَف، والمُعادُ يَتِمُّ في مَحَلِّه فلا يُنقِصُه جارُه، فالتَّضعيفُ هُنا يَقَعُ مَرَّتَينِ كامِلَتَين، ولا يُقسَمُ على اثنَين.

وأمّا بِناءُ الاسمَين، فـ«الحَياة» اسمٌ لِلقِوامِ الجاري نَفسِه، و«المَمات» مَصوغٌ بِميمٍ في صَدرِه، وهي ميمُ المَوضِعِ والوَقتِ والمَصدَر، فيَصيرُ المَوتُ مَحَلّاً يُنتَهى إليه، لا حالاً تَجري، فالتَّضعيفُ واقِعٌ على جارٍ وعلى مَحَلّ.

«ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا»: نَفيٌ يَقَعُ على الوِجدان

ومَحَلُّ النَّظَرِ مَوقِعُ النَّفي، فقد عُدِلَ عن «ولا نَصيرَ لَك»، وهو نَفيٌ لِلوُجود، إلى «لَا تَجِدُ»، فالمَنفيُّ أن تَقَعَ عَلَيه، والمَنفيُّ هو المُصادَفةُ دونَ الذّات.

ثُمَّ جاءَ القَيدُ «عَلَيْنَا»، وهو يَحسِمُ البابَ حَسماً: فالنَّصيرُ المَطلوبُ يَنبَغي أن يَكونَ على الجِهةِ الأُخرى، ولَيسَ في المَوجوداتِ مَن يَقِفُ في تِلكَ الجِهة.

و«نَصِيرًا» على وَزنِ فَعيل، وهو وَزنُ الصِّفةِ اللّازِمةِ دونَ الفِعلِ العارِض، فالمَنفيُّ مَن يَثبُتُ لَه هذا الوَصف، لا مَن يَنصُرُ مَرّة. وأصلُ النَّصرِ شَقُّ الحِصارِ عمّن أُطبِقَ عَلَيه، فمَن لا يَملِكُ شَقَّ شَيءٍ لا يُسَمّى بِه.

وهذا التَّركيبُ نَفسُه يَعودُ في السّورةِ بِكَلِمةٍ أُخرى في مَوضِعِه: ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾، والإطارُ واحِدٌ والخاتِمةُ تَتَبَدَّل، نَصيرٌ مَرّةً ووَكيلٌ مَرّة. ويَعودُ اللَّفظُ نَفسُه بَعدَ خَمسِ آياتٍ مَطلوباً غَيرَ مَنفِيّ: وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾، فهو هُنا نَصيرٌ لا يوجَدُ في جِهة، وهُناكَ نَصيرٌ يُطلَبُ من جِهةٍ أُخرى.


حَصيلة

جُملةٌ كامِلةٌ مُعَلَّقةٌ على ما لم يَحدُث، تَربِطُها «إِذًا» بِمُقارَبةٍ مُنِعَت، فيَجيءُ الوَعيدُ كُلُّه في صيغةِ ما كانَ سَيَكون. ثُمَّ تُقَدَّمُ العُقوبةُ ذَوقاً دونَ الصَّبّ، والذَّوقُ مُماسّةٌ يَقَعُ بِها العِلمُ دَفعةً، والوَزنُ «أفعَلَ» يَجعَلُ الذّائِقَ مَحمولاً على ذَوقِه. والمُضاعَفُ أُعيدَ لَفظُه لِكُلٍّ من الاثنَين فتَمَّ في مَحَلَّيه، ولم يُقتَسَمْ بَينَهُما، وأحَدُهُما قِوامٌ يَجري والآخَرُ مَحَلٌّ يُنتَهى إليه. ثُمَّ يُنفى النَّصيرُ بِنَفيِ أن تَجِدَه دونَ نَفيِ ذاتِه، مُقَيَّداً بِـ«عَلَيْنَا» فتُغلَقُ الجِهةُ التي يُطلَبُ مِنها. والذي يُقاسُ بِهذا كُلِّه شَيءٌ قَليلٌ لم يَقَع، وأثقَلُ ما في الآيةِ أنَّها تَصِفُ ثَمَناً لم يُدفَع.