طه · الآية 112

﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا

«وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ»: حَرفٌ يُبَعِّضُ في مَوضِعِ المَفعول

«مَن» شَرطِيّةٌ جازِمة، وفِعلُ الشَّرطِ مُضارِعٌ مَجزوم، فالحُكمُ عامٌّ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ فيه، ولا يُسَمّى فيه أحَد.

ثُمَّ عُدِلَ عن «يَعمَلِ الصّالِحاتِ» بِتَعدِيةِ الفِعلِ إلَيها، ودَخَلَت «مِنْ» فصارَ المَعمولُ بَعضاً لا كُلّاً.

وهذا حَرفٌ يُقرَأُ ولا يُهمَل، والمَشروطُ بِه عَمَلٌ من جِنسٍ لا استيفاءُ الجِنسِ كُلِّه.

والعَمَلُ من ع-م-ل، ومَدارُه على سَعيٍ يَخرُجُ من العُمقِ فيَتَعَلَّقُ بِأثَرٍ يَحوزُه، فهو يَبقى مُعَلَّقاً بِصاحِبِه ولا يَنتَهي عِندَ الحَرَكة.

و«الصّالِحات» من ص-ل-ح، وأصلُه رَبطٌ مُمسِكٌ يَحتَوي ما رَبَط، فالوَصفُ واقِعٌ على ما يَشُدُّ ما انفَرَط، لا على ما يَحسُنُ في العَينِ ويَنقَضي.

«وَهُوَ مُؤْمِنٌ»: حالٌ تُرافِقُ الفِعلَ ولا تَسبِقُه

والواوُ واوُ الحال، والجُملةُ بَعدَها اسمِيّة، فالوَصفُ قائِمٌ في وَقتِ العَمَلِ نَفسِه.

ولَو جُعِلَ شَرطاً ثانِياً بِالعَطفِ لَصارَ حَدَثاً يَسبِقُ أو يَتلو، والحالُ تُصاحِبُ ولا تَسبِقُ ولا تَتلو.

والاسمُ مُفرَدٌ نَكِرة، وهو اسمُ فاعِلٍ دونَ الفِعل، فالمَذكورُ وَصفٌ قائِمٌ، ولَيسَ حَدَثاً وَقَعَ مَرّة.

والأمنُ من أ-م-ن، وأصلُه ضَمُّ الشَّيءِ إلى مَركَزِه ضَمّاً يَثبُتُ ثُمَّ يَنبَعِثُ عنه سُكونٌ إلى ما حَولَه، فالوَصفُ في مَوضِعِه من هذه الآية: صاحِبُ السُّكونِ هو الذي يُقالُ فيه عَقِبَه بِلا فاصِلٍ «فَلَا يَخَافُ».

«فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا»: نَفيانِ لِشَيئَينِ لا تَكرارٌ لِشَيءٍ واحِد

وجَوابُ الشَّرطِ جُملةٌ مَقرونةٌ بِالفاء، وفِعلُها مُضارِعٌ مَرفوعٌ يَدُلُّ على حالٍ مُستَمِرّة، والمَنفِيُّ هو الخَوفُ نَفسُه دونَ سَبَبِه.

ومَدارُ خ-و-ف على فَراغٍ يَمتَدُّ في صاحِبِه فيُفَرِّقُ تَماسُكَه، فالمَنفِيُّ انحِلالُ العَزمِ، ولَيسَ الشَّيءَ الذي يُتَوَقَّع.

ثُمَّ جاءَ مَنفِيّانِ اثنانِ لا واحِد، وأُعيدَ حَرفُ النَّفيِ مَعَ الثّاني: «وَلَا هَضْمًا»، وإعادةُ «لا» تَفصِلُ الثّانيَ عن الأوَّلِ فلا يُقرَآنِ لَفظَينِ لِمَعنىً واحِد.

و«ظُلْمًا» من ظ-ل-م، وهو غِطاءٌ يُطبِقُ على الشَّيءِ ويَحوزُه فيُمسِكُه في باطِنِه، والمُرادُ بِه أن يوضَعَ عَلَيه ما لَيسَ لَه.

و«هَضْمًا» من ه-ض-م، وهو كَسرٌ بِضَغطٍ حتّى يَذهَبَ المَكسورُ في غَيرِه ويَنقُص، فهو أن يُنقَصَ ما لَه.

فالجِهَتانِ مُتَقابِلَتان، زِيادةٌ تُحمَلُ عَلَيه ونَقصٌ يُؤخَذُ مِنه، وبَينَهُما يَقَعُ كُلُّ ما يُخافُ في مَقامِ الجَزاء، فنُفِيَ الطَّرَفانِ مَعاً.

لَفظٌ واحِدٌ في سَطرَينِ مُتَجاوِرَين

وكانَ في الآيةِ قَبلَ هذه وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾، وفيها «ظُلْمًا» نَكِرةٌ مَنصوبةٌ يَحمِلُها رَجُلٌ لا يُسَمّى.

وهي هُنا نَكِرةٌ مَنصوبةٌ لا يَخافُها رَجُلٌ لا يُسَمّى، فاللَّفظُ واحِدٌ والمَوقِعُ واحِد، والفِعلُ الواقِعُ عَلَيه يَتَبَدَّل.

فقد حُمِلَ في الأولى فأخوى صاحِبَه، ولم يُخَفْ في الثّانيةِ فلم يَنَلْ صاحِبَه، ومَن حَمَلَ الغِشاوةَ لَقِيَها، ومَن عَمِلَ ما يَشُدُّ لم يَلقَها.


حَصيلة

شَرطٌ عامٌّ بِـ«مَن» لا يُسَمّي أحَداً، ثُمَّ فِعلٌ عُدِلَ بِه عن تَعدِيَتِه المُباشِرةِ إلى مَفعولِه، فدَخَلَت «مِنْ» وصارَ المَشروطُ عَمَلاً من جِنسٍ لا استيفاءَ الجِنسِ كُلِّه. والعَمَلُ من ع-م-ل سَعيٌ يَخرُجُ من العُمقِ فيَتَعَلَّقُ بِأثَرٍ يَحوزُه، و«الصّالِحات» من ص-ل-ح رَبطٌ مُمسِكٌ يَحتَوي ما رَبَط، فالمَوصوفُ بِها ما يَشُدُّ ما انفَرَط. ثُمَّ جُملةٌ اسمِيّةٌ بِواوِ الحال، وما هي بِشَرطٍ ثانٍ يُعطَف، فالوَصفُ يُصاحِبُ العَمَلَ في وَقتِه ولا يَسبِقُه ولا يَتلوه، وهو اسمُ فاعِلٍ قائِمٌ غَيرُ حَدَثٍ وَقَع. والأمنُ من أ-م-ن ضَمُّ الشَّيءِ إلى مَركَزِه ثُمَّ انبِعاثُ السُّكونِ عنه، وصاحِبُ السُّكونِ هو الذي يُقالُ فيه بَعدُ إنَّه لا يَخاف. والجَوابُ يَنفي الخَوفَ نَفسَه، ومَدارُ خ-و-ف على فَراغٍ يَمتَدُّ في صاحِبِه فيُفَرِّقُ تَماسُكَه، فالمَنفِيُّ انحِلالُ العَزمِ دونَ الشَّيءِ المُتَوَقَّع. ثُمَّ مَنفِيّانِ يُعادُ مَعَ ثانيهِما حَرفُ النَّفيِ فلا يُقرَآنِ لَفظَينِ لِمَعنىً واحِد: «ظُلْمًا» غِطاءٌ يُطبِقُ على الشَّيءِ ويَحوزُه فيُمسِكُه في باطِنِه، وهو هُنا أن يوضَعَ عَلَيه ما لَيسَ لَه؛ و«هَضْمًا» كَسرٌ بِضَغطٍ يَذهَبُ بِه المَكسورُ في غَيرِه، وهو أن يُنقَصَ ما لَه. فهُما زِيادةٌ تُحمَلُ ونَقصٌ يُؤخَذ، وبَينَهُما كُلُّ ما يُخافُ في مَقامِ الجَزاء. وأمّا «ظُلْمًا» فنَكِرةٌ مَنصوبةٌ في آيَتَينِ مُتَجاوِرَتَين، حُمِلَت في الأولى فأخوَت حامِلَها، ولم تُخَفْ في الثّانيةِ فلم تَنَلْ من لم يَخَفْها.