طه · الآية 119

﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ

«وَأَنَّكَ»: عَطفٌ يَصِلُ الزَّوجَ الثّانيَ بِالأوَّل

واوٌ ثُمَّ «أنَّ» بِفَتحِ الهَمزة. والمَفتوحةُ تُسبَكُ مَعَ ما بَعدَها مَصدَراً، فهي مَعطوفةٌ على المَصدَرِ الذي كانَ اسماً لِـ«إنَّ» في السَّطرِ قَبلَها.

فالسَّطرانِ خَبَرٌ واحِدٌ مُوَزَّعٌ على جُملَتَين. ما في هذا السَّطرِ داخِلٌ في لامِ المِلكِ التي في ذاك.

وبَينَ الصّيغَتَينِ فَرقٌ يُقرَأ: هُناكَ سُبِكَ الحَدَثُ مَنفِيّاً بِلا ذِكرِ صاحِبِه، وهُنا قُدِّمَ صاحِبُه بِكافِ المُفرَدِ ثُمَّ نُفِيَ عنه الحَدَث. جُعِلَ الأوَّلُ مِلكاً، وجُعِلَ الثّاني وَصفَ حالٍ لَه.

والكافُ مُفرَدةٌ ثالِثةً على التَّوالي. دَخَلَ الخِطابُ في الإفرادِ عِندَ «فَتَشْقَىٰ» ولم يَعُدْ إلى التَّثنِيةِ في هذا العُنقود.

«لَا تَظْمَأُ فِيهَا»: نَقصٌ في الجَوفِ يُقابِلُ نَقصَ السَّطرِ الأوَّل

الظَّمَأُ في ظ-م-أ إطباقٌ يَحجُبُ الباطِنَ عن مَدَدِه فيَشتَدُّ طَلَبُه. فهو حَبسُ الداخِلِ عَمّا يَبُلُّه.

وهو ثاني نَقصٍ داخِليٍّ في السَّطرَين. كانَ الأوَّلُ خَواءَ الجَوفِ، وهذا مَنعُ الجَوفِ عن مَدَدِه، وكِلاهُما يَقَعُ في الباطِنِ لا يُلاقى من خارِج.

و«فِيهَا» تُعادُ كما أُعيدَت في السَّطرِ قَبلَه. الظَّرفُ نَفسُه في المَوقِعِ نَفسِه من الجُملة، فالنَّفيُ مُقَيَّدٌ بِالمَوضِعِ في المَرَّتَين.

«وَلَا تَضْحَىٰ»: انكِشافٌ يُقابِلُ انكِشافاً

عَطفٌ بِإعادةِ حَرفِ النَّفي، كما في السَّطرِ قَبلَه. تَكَرَّرَت صورةُ الجُملةِ بِحَذافيرِها.

والضُّحُوُّ في ض-ح-و انبِساطٌ يَنفَرِجُ فيُفضي بِصاحِبِه إلى الشَّمسِ بِلا حاجِب. فهو انكِشافٌ عُلوِيٌّ لا عُريُ بَدَن.

فالمَنفِيُّ لَيسَ الحَرَّ نَفسَه بَل البُروزَ لَه. وما يَرفَعُه ظِلٌّ لا شَراب.

فالزَّوجُ الثّاني: ظَمَأٌ وضُحىً، شَرابٌ وظِلّ. وهو على صورةِ الزَّوجِ الأوَّلِ نَفسِها: نَقصٌ في الجَوفِ ثُمَّ انكِشافٌ على الظّاهِر.

وأربَعةُ المَنفِيّاتِ في السَّطرَينِ زَوجانِ لا أربَعةُ أفراد. جوعٌ وعُريٌ يُسَدّانِ بِما يُؤخَذُ ويُلبَس، وظَمَأٌ وضُحىً يُسَدّانِ بِما يُشرَبُ ويُستَظَلُّ بِه.

مَوقِعُ الكَلِمَتَينِ من الفاصِلة

يَقَعُ في آخِرِ كُلِّ سَطرٍ من السَّطرَينِ الفِعلُ المَقصورُ الذي تَجري عَلَيه فاصِلةُ السّورة، والأوَّلُ في كُلِّ زَوجٍ يَقَعُ في وَسَطِه فلا تَجري عَلَيه.

فالذي وَقَعَ على الفاصِلةِ في الزَّوجَينِ هو الانكِشافُ لا النَّقص. وقد يَكونُ لِهذا أثَرٌ في اختِيارِ اللَّفظَينِ، ويُقالُ ذلك احتِمالاً لا حُكماً.

مادّةٌ تَعودُ من مَشهَدٍ آخَرَ في السّورة

جَرى هذا الجَذرُ في هذه السّورةِ مَرّةً أُخرى في تَحديدِ وَقتٍ لِمَوعِد: قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾.

هُناكَ اسمٌ لِوَقتٍ يُحشَرُ فيه النّاسُ، وهُنا فِعلٌ مَنفِيٌّ عن رَجُلٍ في مَوضِعِ سَتر. لَفظٌ واحِدٌ يَقَعُ مَوعِداً هُناكَ ويُنفى هُنا.


حَصيلة

واوٌ ثُمَّ «أنَّ» مَفتوحةً تُسبَكُ مَصدَراً، فهي مَعطوفةٌ على المَصدَرِ الذي كانَ اسماً لِـ«إنَّ» في السَّطرِ قَبلَها: خَبَرٌ واحِدٌ مُوَزَّعٌ على جُملَتَين، وما هُنا داخِلٌ في لامِ المِلكِ التي هُناك. وبَينَ الصّيغَتَينِ فَرق: سُبِكَ الحَدَثُ هُناكَ مَنفِيّاً بِلا ذِكرِ صاحِبِه، وقُدِّمَ صاحِبُه هُنا بِكافِ المُفرَدِ ثُمَّ نُفِيَ عنه الحَدَث، فجُعِلَ الأوَّلُ مِلكاً والثّاني وَصفَ حالٍ لَه. والكافُ مُفرَدةٌ ثالِثةً على التَّوالي، فلا يَعودُ الخِطابُ إلى التَّثنِيةِ في هذا العُنقود. والظَّمَأُ في ظ-م-أ إطباقٌ يَحجُبُ الباطِنَ عن مَدَدِه فيَشتَدُّ طَلَبُه، وهو ثاني نَقصٍ داخِليٍّ بَعدَ خَواءِ الجَوف، وكِلاهُما يَقَعُ في الباطِن. و«فِيهَا» تُعادُ في المَوقِعِ نَفسِه، فالنَّفيُ مُقَيَّدٌ بِالمَوضِعِ في المَرَّتَين. ثُمَّ عَطفٌ بِإعادةِ حَرفِ النَّفي كما في السَّطرِ قَبلَه، والضُّحُوُّ في ض-ح-و انبِساطٌ يَنفَرِجُ فيُفضي بِصاحِبِه إلى الشَّمسِ بِلا حاجِب: انكِشافٌ عُلوِيٌّ لا عُريُ بَدَن، والمَنفِيُّ البُروزُ لِلحَرِّ لا الحَرُّ نَفسُه، وما يَرفَعُه ظِلٌّ لا شَراب. فالزَّوجُ الثّاني شَرابٌ وظِلّ، على صورةِ الزَّوجِ الأوَّلِ نَفسِها، وأربَعةُ المَنفِيّاتِ في السَّطرَينِ زَوجانِ لا أربَعةُ أفراد. ويَقَعُ في آخِرِ كُلِّ سَطرٍ الفِعلُ المَقصورُ الذي تَجري عَلَيه فاصِلةُ السّورة، فالواقِعُ على الفاصِلةِ في الزَّوجَينِ هو الانكِشافُ لا النَّقص، وقد يَكونُ لِذلك أثَرٌ في اختِيارِ اللَّفظَينِ، ويُقالُ احتِمالاً لا حُكماً. وهذا الجَذرُ قد جَرى في السّورةِ من قَبلُ اسماً لِوَقتٍ يُحشَرُ فيه النّاسُ لِمَوعِد، ويَجري هُنا فِعلاً مَنفِيّاً عن رَجُلٍ في مَوضِعِ سَتر.