طه · الآية 120

﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ

«فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ»: صَوتٌ مُكَرَّرٌ يَنتَهي إلى واحِد

الفِعلُ رُباعِيٌّ مُكَرَّرُ النَّواة، و«وس» في أصلِه وَصلٌ يَجري مُمتَدّاً خافِتاً، ثُمَّ يُعادُ المَقطَعُ كُلُّه فيَصيرُ الحَدَثُ مُعاوَداً غَيرَ واقِعٍ مَرَّةً واحِدة.

فاللَّفظُ يَحكي ما يَصِفُه، وهو صَوتٌ خَفيٌّ يَتَتابَعُ ولا يَستَقِرّ، ولَيسَ في الآيةِ أنَّه ظَهَرَ ولا أنَّه رُئي.

وعُدِّيَ بِـ«إِلَيْهِ» بِضَميرِ المُفرَد، وقد كانَ التَّحذيرُ قَبلَ ثَلاثِ آياتٍ بِضَميرِ المُثَنّى، فنُهِيَ أن يُخرِجَهُما، ثُمَّ وَسوَسَ إلى واحِد.

ثُمَّ سُمِّيَ الفاعِلُ بَعدَ الفِعلِ ومُتَعَلِّقِه، وتَأَخَّرَ الاسمُ إلى آخِرِ الجُملة، فسُمِعَ الصَّوتُ قَبلَ أن يُعرَفَ صاحِبُه.

«قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ»: بابٌ يُفتَحُ لِمَقولِ غَيرِه

وجاءَ «قَالَ» بِلا واوٍ ولا فاء، فهو جُملةٌ مُستَأنَفةٌ تُبَيِّنُ الوَسوَسةَ التي قَبلَها، وما بَعدَها كُلُّه داخِلٌ في فَمِ القائِل.

وهذا مِفتاحُ الآية: كُلُّ ما يَلي «قَالَ» مَنقولٌ عنه لا مُقَرَّرٌ عَلَيه، فالآيةُ تُخبِرُ بِأنَّه قالَ، ولا تَقولُ مَعَه.

ثُمَّ نادى بِالاسمِ الذي نودِيَ بِه قَبلَ ثَلاثِ آياتٍ من جِهةٍ أُخرى، فوَقَعَ النِّداءانِ على اسمٍ واحِد.

و«هَلْ أَدُلُّكَ» استِفهامٌ يُرادُ بِه العَرض، ولا يُطلَبُ بِه جَواب. والدَّلالةُ من د-ل-ل، وهي إبرازُ الشَّيءِ لِلطّالِبِ حتّى يَتَعَلَّقَ بِه.

فالمَعروضُ في الآيةِ دَلالة، والذي يَقَعُ في آخِرِ هذا المَقطَعِ هُدىً يَأتي من جِهةٍ أُخرى، فهذا عَرضٌ يُدَلُّ بِه هُنا، وذاك هُدىً يُتَّبَعُ هُناك.

«عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ»: الاسمُ في فَمِ المُوَسوِسِ ولا أحَدَ غَيرِه

وهذا هو المَوضِعُ الذي يَنقَلِبُ عَلَيه المَعنى كُلُّه.

فلَفظُ الشَّجَرةِ لا يَرِدُ في هذه السّورةِ إلّا هُنا، ولا يَرِدُ هُنا إلّا داخِلَ مَقولِ القَولِ الذي فُتِحَ بِـ«قَالَ»، والآياتُ قَبلَه لا تُسَمّي شَجَرةً ألبَتّة، فالعَهدُ في ٢٠:١١٥ لم يُذكَرْ ما هو، والتَّحذيرُ في ٢٠:١١٧ عَدُوٌّ يُخرِجُ، لا شَجَرةٌ تُقرَب.

فلَيسَ في النَّصِّ أنَّها شَجَرةُ الخُلد، والذي فيه أنَّ الشَّيطانَ سَمّاها كذلك.

والفَرقُ بَينَ الأمرَينِ غَيرُ فَرقِ عِبارة، فالأوَّلُ يَجعَلُ الاسمَ خَبَراً عن الشَّجَرة، والثّاني يَجعَلُه خَبَراً عن القائِل، يُخبِرُنا بِما عُرِضَ، ولا يُخبِرُنا بِما هو.

ويُؤَيِّدُه أنَّ الآيةَ التي بَعدَ هذه لا تُعيدُ الاسم، وفيها فَأَكَلَا مِنْهَا﴾ بِضَميرٍ يَعودُ ولا يُسَمّي، فالاسمُ قيلَ مَرّةً واحِدةً في فَمٍ واحِدٍ ولم يُعَدْ في السّورة.

ولا نَوعَ لَها ولا ثَمَرَ ولا مَكان، فلم يُوصَفْ في الآيةِ لَونٌ ولا قَدرٌ ولا مَوضِعٌ مِنَ الجَنّة، ومَن وَصَفَ شَيئاً من ذلك وَصَفَ ما لم يوصَفْ.

وأصلُ خ-ل-د نُفوذٌ يَرسَخُ في حالٍ فيَثبُتُ عَلَيها، فالمَعروضُ ثَباتُ الحال، ولا يَقِفُ عِندَ طولِ المُدّة.

«وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ»: مَعروضٌ ثانٍ نَكِرةٌ يوصَفُ بِنَفي

وهو مَعطوفٌ على المَجرورِ بِـ«عَلى»، فالمَعروضُ اثنان: مُعَرَّفٌ بِالإضافةِ، ثُمَّ نَكِرةٌ بِلا إضافة.

والمُلكُ من م-ل-ك، ومَدارُه على إحاطةٍ تَلتَئِمُ ثُمَّ تَكتُمُ ما حازَت. وقد وَقَعَ هذا اللَّفظُ نَفسُه في هذا المَقطَعِ قَبلَ سِتِّ آياتٍ اسماً مُعَرَّفاً: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾، فهو هُناكَ مُعَرَّفٌ في خَبَرٍ مُقَرَّر، وهُنا نَكِرةٌ في عَرضٍ يُعرَض.

ووُصِفَ بِجُملةٍ مَنفِيّة: «لَّا يَبْلَىٰ». والبِلى في ب-ل-ي طولُ المُلابَسةِ حتّى يَرِثَّ المُلابِس، فالوَصفُ نَفيٌ لِلرَّثاثةِ عن مُلكٍ مُبهَمٍ لم يُبيَّنْ ما هو ولا أينَ هو.

والمَعروضانِ كِلاهُما يُوصَفانِ بِالبَقاء، فالأوَّلُ خُلدٌ، والثّاني نَفيُ بِلىً، وقد قيلَ لَه في الآيتَينِ قَبلَهُما أربَعةُ مَنفِيّاتٍ لَيسَ فيها واحِدٌ من هذَين.


حَصيلة

«فَوَسْوَسَ» فِعلٌ رُباعِيٌّ مُكَرَّرُ النَّواةِ يَحكي ما يَصِفُه، وهو صَوتٌ خَفيٌّ يَتَتابَعُ ولا يَستَقِرّ، ولَيسَ في الآيةِ ظُهورٌ ولا رُؤية. وعُدِّيَ بِضَميرِ المُفرَدِ بَعدَ أن كانَ التَّحذيرُ قَبلَ ثَلاثِ آياتٍ بِضَميرِ المُثَنّى، فنُهِيَ أن يُخرِجَهُما ووَسوَسَ إلى واحِد. وتَأَخَّرَ اسمُ الفاعِلِ إلى آخِرِ الجُملةِ فسُمِعَ الصَّوتُ قَبلَ أن يُعرَفَ صاحِبُه. ثُمَّ جاءَ «قَالَ» جُملةً مُستَأنَفةً تُبَيِّنُ الوَسوَسة، وما بَعدَها كُلُّه داخِلٌ في فَمِ القائِل، فالآيةُ تُخبِرُ بِأنَّه قالَ ولا تَقولُ مَعَه. ثُمَّ نِداءٌ بِالاسمِ نَفسِه الذي نودِيَ بِه من جِهةٍ أُخرى قَبلَ ثَلاثِ آيات، ثُمَّ عَرضٌ في صورةِ استِفهام، والدَّلالةُ من د-ل-ل إبرازُ الشَّيءِ لِلطّالِبِ حتّى يَتَعَلَّقَ بِه؛ فالمَعروضُ هُنا دَلالة، والذي يَجيءُ في آخِرِ المَقطَعِ هُدىً يَأتي من جِهةٍ أُخرى ويُتَّبَع. وهُنا مَوضِعُ الآيةِ الذي يَنقَلِبُ عَلَيه المَعنى كُلُّه، فلَفظُ الشَّجَرةِ لا يَرِدُ في هذه السّورةِ إلّا في هذه الآية، ولا يَرِدُ فيها إلّا داخِلَ مَقولِ القَول، والآياتُ قَبلَها لا تُسَمّي شَجَرةً ألبَتّة. فلَيسَ في النَّصِّ أنَّها شَجَرةُ الخُلد؛ والذي فيه أنَّ الشَّيطانَ سَمّاها كذلك. والأوَّلُ خَبَرٌ عن الشَّجَرةِ والثّاني خَبَرٌ عن القائِل، ويُؤَيِّدُ الثّانيَ أنَّ الآيةَ التي بَعدَها تَعودُ إلَيها بِضَميرٍ ولا تُعيدُ الاسم، فقيلَ الاسمُ مَرّةً واحِدةً في فَمٍ واحِدٍ ولم يُعَدْ في السّورة. ولا نَوعَ لَها ولا ثَمَرَ ولا مَكان. وأصلُ خ-ل-د نُفوذٌ يَرسَخُ في حالٍ فيَثبُتُ عَلَيها، فالمَعروضُ ثَباتُ الحالِ، لا طولُ المُدّة. ثُمَّ مَعروضٌ ثانٍ مَعطوفٌ نَكِرةٌ بِلا إضافة، والمُلكُ من م-ل-ك إحاطةٌ تَلتَئِمُ ثُمَّ تَكتُمُ ما حازَت، وهو اللَّفظُ نَفسُه الذي وَقَعَ في هذا المَقطَعِ قَبلَ سِتِّ آياتٍ مُعَرَّفاً في خَبَرٍ مُقَرَّر، فوَقَعَ هُنا نَكِرةً في عَرضٍ يُعرَض. ووُصِفَ بِنَفي، والبِلى في ب-ل-ي طولُ المُلابَسةِ حتّى يَرِثَّ المُلابِس. فالمَعروضانِ كِلاهُما بَقاء، وقد أُعطِيَ في الآيتَينِ قَبلَهُما أربَعةَ مَنفِيّاتٍ لَيسَ فيها واحِدٌ من هذَين.