طه · الآية 126

﴿قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ

«كَذَٰلِكَ»: كافُ تَشبيهٍ تَفتَحُ الشَّطرَينِ جَميعاً

سَألَ السّائِلُ عن عِلّة، وبَدَأَ الجَوابُ بِأداةِ مُشابَهة، فعُدِلَ عن «لِأنَّك» إلى «كَذَٰلِكَ»، أي هكذا، على هذه الهَيئة.

ثُمَّ تَعودُ الأداةُ نَفسُها في الشَّطرِ الثّاني: «وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ»، فهُما جُملَتانِ يَفتَحُهُما لَفظٌ واحِد، فتَقِفُ الواحِدةُ بِإزاءِ الأُخرى قَبلَ أن يُقالَ ما فيهِما.

والمُشابَهةُ هي الجَواب، ولم يُذكَرْ سَبَبٌ يَسبِقُ الفِعل، والمَذكورُ فِعلٌ ثُمَّ صورَتُه.

«أَتَتْكَ آيَاتُنَا»: الحَرَكةُ كانَت مِنها إلَيه

والفاعِلُ «آيَاتُنَا» والمَفعولُ كافُ الخِطاب، فالمُتَحَرِّكُ هي، والواقِفُ هو.

والجَذرُ أ-ت-ي انطِلاقٌ يَسري ثُمَّ يُلاقي مَحَلَّه، فقد انطَلَقَت من مَصدَرِها وسَرَت حتّى بَلَغَته هو بِعَينِه، ولم يُكَلَّفْ أن يَذهَبَ إلَيها.

وهذا يُقابِلُ ما قيلَ في الآيةِ الأولى من هذا المَقطَع، وهو أن يُوَلِّيَ المَرءُ جانِبَه، فقد جاءَته وهي تَسري، ووَلّى هو بِلا حَرَكة، والحَرَكَتانِ في الآيةِ اثنَتان: حَرَكةٌ إلَيه، وإدارةُ كَتِفٍ عنها.

و«آيَاتُنَا» من أ-ي-ي، ومادّتُها إشارةٌ قاطِعةٌ تَتَّصِلُ وتَسري ولا تَنقَطِع، أي عَلامةٌ تَدُلُّ على ما وَراءَها. ولا تُذكَرُ واحِدةٌ مِنها ولا يُقالُ ما هي، وقد جاءَت جَمعاً مُضافاً، ونَسَبُها كُلُّ ما قيلَ فيها.

«فَنَسِيتَهَا»: الجَذرُ الذي نُفِيَ أوَّلَ ما وَرَدَ في السّورة

والفاءُ بِلا مُهلة، فأتَتْه فنَسِيَها، ولا شَيءَ بَينَ الوُصولِ والانفِلات.

والجَذرُ ن-س-ي انفِلاتٌ لَطيفٌ يَنسَلُّ من القَبضةِ ولا يُشعَرُ بِانسِلالِه، ولِذلك لا يُقالُ فيه إنَّه أنكَرَ ولا رَدَّ ولا حارَب، وإنَّما سَقَطَ الشَّيءُ من يَدِه ولم يَسمَعْ لِسُقوطِه صَوتاً.

وأوَّلُ ما وَرَدَت هذه المادّةُ في السّورةِ وَرَدَت مَنفِيّةً عن الرَّبّ: لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾، ثُمَّ وَقَعَت على البَشَرِ في مَوضِعَينِ بِلَفظٍ واحِدٍ هو فَنَسِيَ﴾، ثُمَّ تَقَعُ هُنا بِتاءِ المُخاطَب، فقد نُفِيَت مَرّةً وأُثبِتَت ثَلاثاً، والنَّفيُ أسبَقُ.

«وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ»: الفِعلُ يَنقَلِبُ على فاعِلِه

والشَّطرُ الأوَّلُ فِعلٌ مَبنيٌّ لِلفاعِلِ والمُخاطَبُ فاعِلُه، والشَّطرُ الثّاني الفِعلُ نَفسُه مَبنيّاً لِلمَجهولِ والمُخاطَبُ مَحَلُّه.

والجَذرُ باقٍ لم يُبَدَّل، والذي بُدِّلَ مَوقِعُ الرَّجُلِ مِنه.

و«الْيَوْمَ» مَعرِفةٌ مَنصوبةٌ على الظَّرف، تَتَوَسَّطُ بَينَ الأداةِ والفِعل، وهو ظَرفٌ واحِدٌ مُعَرَّفٌ في جُملةٍ لَيسَ فيها مَعرِفةٌ سِواه.

ولَيسَ في الجَوابِ عَينٌ ولا نَظَرٌ ولا بَصَر. سَألَ عن عَمىً وبَصَر، فأُجيبَ بِآياتٍ ونِسيان، وتُرِكَ المِحوَرُ الذي أقامَه، ووُضِعَ الجَوابُ على مِحوَرٍ آخَر.

فما يُنسى يُنسى صاحِبُه، وهذا كُلُّ ما في الآية.


حَصيلة

سُئِلَ عن عِلّةٍ فبَدَأَ الجَوابُ بِأداةِ مُشابَهةٍ لا بِلامِ تَعليل، ثُمَّ عادَتِ الأداةُ نَفسُها تَفتَحُ الشَّطرَ الثّاني، فوَقَفَتِ الجُملَتانِ إحداهُما بِإزاءِ الأُخرى قَبلَ أن يُقالَ ما فيهِما. والفاعِلُ في الأولى هو الآياتُ والمَفعولُ هو المُخاطَب، والجَذرُ أ-ت-ي انطِلاقٌ يَسري ثُمَّ يُلاقي مَحَلَّه، فالحَرَكةُ كانَت مِنها إلَيه ولم يُكَلَّفْ سَعياً. و«آيات» من أ-ي-ي إشارةٌ تَدُلُّ على ما وَراءَها، جاءَت جَمعاً مُضافاً لا تُعَيَّنُ واحِدةٌ مِنه. ثُمَّ فاءٌ بِلا مُهلةٍ وفِعلٌ من ن-س-ي، وهو انفِلاتٌ لَطيفٌ يَنسَلُّ من القَبضةِ ولا يُشعَرُ بِانسِلالِه، فهو سُقوطٌ بِلا صَوت، لا إنكارَ فيه ولا مُحارَبة. وأوَّلُ ما وَرَدَت هذه المادّةُ في السّورةِ وَرَدَت مَنفِيّةً عن الرَّبّ، ثُمَّ وَقَعَت على البَشَرِ بَعدَ ذلك. ثُمَّ يُعادُ الفِعلُ نَفسُه في الشَّطرِ الثّاني مَبنِيّاً لِلمَجهول، فيَنتَقِلُ المُخاطَبُ من مَوضِعِ الفاعِلِ إلى مَوضِعِ الواقِعِ عَلَيه، ولَم يُبَدَّلْ من الجَذرِ حَرف. ولَيسَ في الجَوابِ كُلِّه عَينٌ ولا بَصَر. وقد سَألَ على مِحوَرِ النَّظَرِ وأُجيبَ على مِحوَرِ القَبضة. وقد أفلَتَ ما وَصَلَ إلَيه، فأفلَتَ هو.