طه · الآية 125

﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا

«قَالَ رَبِّ»: أوَّلُ ما يَنطِقُ بِه المُعرِضُ نِداء

الذي وَلّى جانِبَه يَتَكَلَّم. وأوَّلُ كَلِمةٍ في فَمِه هي الاسمُ الذي أعرَضَ عَن ذِكرِه.

و«رَبِّ» نِداءٌ حُذِفَت أداتُه وحُذِفَت ياؤُه فبَقِيَتِ الكَسرة. أقصَرُ ما يُنادى بِه، وأقرَبُ صيغةٍ لِلنِّداء. الذي جاوَزَ بِـ«عَن» يُنادي بِلا واسِطة.

والجَذرُ ر-ب-ب مُلازَمةٌ جارِيةٌ تَنقُلُ المُلازَمَ من حالٍ إلى حال. فهو يُنادي بِالاسمِ الذي يَعني نَقلَه هو من طَورٍ إلى طَور، ويَشكو نَقلاً وَقَعَ عَلَيه.

«لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ»: لَفظُ الآيةِ السّابِقةِ يُعادُ في فَمِ صاحِبِه

«لِمَ» سُؤالٌ عن عِلّةٍ لا عن حُكم. لم يَقُلْ لا تَحشُرْني، ولا لِمَ أنا هُنا. سَأَلَ عن سَبَبِ هَيئةٍ نَزَلَت بِه وقَبِلَ ما دونَ الهَيئة.

ثُمَّ يُعيدُ كَلِمَتَينِ اثنَتَينِ كانَتا في الخَبَرِ عنه: «حَشَرْتَنِي» و«أَعْمَىٰ». وقيلَ عنه هُناكَ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ بِنونٍ وغَيبة، فيَقولُها هو بِتاءٍ وخِطاب. الفِعلُ واحِدٌ والوَجهُ تَحَوَّل: كانَ خَبَراً يُقالُ فيه، فصارَ سُؤالاً يَرفَعُه.

ولم يُنازِعْ في الحَشرِ نَفسِه. نازَعَ في حالٍ صاحَبَه.

«وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا»: حُجّةٌ مَبنِيّةٌ على عَينٍ كانَت

واوُ الحالِ ثُمَّ «قَد» لِلتَّحقيق. الجُملةُ كُلُّها مَوضوعةٌ لِتُقابِلَ كَلِمةً واحِدة: «أَعْمَىٰ».

و«كُنتُ» ماضٍ تامّ. لم يَقُلْ «أنا بَصير»، قالَ إنَّه كانَ كذلك. فهو نَفسُه يَشهَدُ أنَّ الحالَ الأولى انقَضَت.

و«بَصِيرًا» من ب-ص-ر: إمساكٌ صَلبٌ مُتَواصِلٌ بِالمَرئيِّ يَربِطُ العَينَ بِما أمامَها. وعلى وَزنِ فَعيلٍ لِما يَثبُتُ لِصاحِبِه ويَلزَمُه.

فالحُجّةُ في السَّطرِ كُلِّها على مِحوَرِ العَين: أعمى في مُقابَلةِ بَصير. والآيةُ التي قَبلَها لم تَذكُرْ عَيناً ولا نَظَراً؛ ذَكَرَت جانِباً وُلِّيَ وذِكراً جُووِز. والجَوابُ الآتي سَيَأخُذُ المُقابَلةَ من يَدِه ويَضَعُها في مَوضِعٍ آخَر.

يُحاجُّ بِما كانَ يُبصِرُ بِه، ولا يَذكُرُ ما كانَ يُبصِرُه.


حَصيلة

يَتَكَلَّمُ الذي وَلّى جانِبَه، فيَكونُ أوَّلُ حَرفٍ في فَمِه نِداءً بِالاسمِ الذي جاوَزَ ذِكرَه، مَحذوفَ الأداةِ مَحذوفَ الياء، وهو من ر-ب-ب مُلازَمةٍ جارِيةٍ تَنقُلُ المُلازَمَ من حالٍ إلى حال. ثُمَّ «لِمَ» تَسأَلُ عن عِلّةِ هَيئةٍ لا عن أصلِ حُكم، فتُسَلَّمُ الدَّعوى ويُنازَعُ في وَصفِها. ثُمَّ يُعادُ لَفظانِ بِعَينِهِما مِمّا قيلَ عنه: فِعلُ الحَشرِ الذي جاءَ بِنونِ العَظَمةِ في الغَيبةِ يَعودُ بِتاءِ الخِطابِ في فَمِه، والحالُ التي وُصِفَ بِها يُقيمُها هو مَوضِعَ الاعتِراض. ثُمَّ حالٌ مُحَقَّقةٌ بِـ«قَد»: «كُنتُ» ماضٍ تامٌّ يُقِرُّ صاحِبُه فيه أنَّ الأولى انقَضَت، و«بَصير» من ب-ص-ر إمساكٍ صَلبٍ مُتَواصِلٍ يَربِطُ العَينَ بِما أمامَها، على وَزنِ فَعيلٍ لِما يَلزَمُ صاحِبَه. فالمُحاجّةُ كُلُّها مَبنِيّةٌ على مِحوَرٍ واحِدٍ هو العَين، والآيةُ التي أنشَأَتِ الحُكمَ لم تَذكُرْ عَيناً بَل جانِباً وُلِّيَ وذِكراً جُووِز. يَرفَعُ حُجَّتَه بِالآلةِ التي كانَت لَه، ولا يَذكُرُ ما وَجَّهَها إلَيه.