طه · الآية 25
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«قَالَ رَبِّ»: أُمِرَ بِالمَسيرِ فابتَدَأَ بِالسُّؤال
الأمرُ قَبلَ هذا صَريحٌ لا لَبسَ فيه: اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾. والجَوابُ الذي يَلي لَيسَ مَسيراً ولا اعتِذاراً. هو طَلَب.
و«رَبِّ» نِداءٌ سَقَطَ منه حَرفُ النِّداء، وسَقَطَت ياءُ الإضافةِ فبَقِيَت كَسرةٌ تَدُلُّ عَلَيها. حَذفانِ في لَفظٍ واحِد، وكُلُّ حَذفٍ يُقَرِّبُ المَسافة. أقصَرُ ما يُنادى بِه مَن لا يَحتاجُ نِداؤُه طولاً.
والجِذرُ ر-ب-ب إمساكٌ مُتَّصِلٌ يُضاعَفُ فيَلزَم: مَن أمسَكَ شَيئاً فلَزِمَه حتّى يُتِمَّه. يُقالُ رَبَّ الصَّبيَّ إذا أخَذَه بِالتَّنشِئةِ فلَم يَترُكْه. فالمَدعُوُّ بِهذا الاسمِ هو المُمسِكُ بِالأمرِ قَبلَ أن يُسأَل، والسُّؤالُ يَقَعُ في مَوضِعِه.
«اشْرَحْ»: تَوسيعٌ يَعمَلُ في الجِرمِ لا على غِطائِه
الشَّرحُ في ش-ر-ح انتِشارٌ يَجري ثُمَّ يَنبَسِطُ في احتِواء. بَسطُ المَطويِّ حتّى يَتَّسِعَ لِما لَم يَكُنْ يَتَّسِعُ لَه.
وشَرحُ القَصّابِ اللَّحمَ بَسطُه لِيَنكَشِفَ ما انطَوى فيه. فلَيسَ الشَّرحُ رَفعَ سِتارٍ من فَوق، بَل تَوسيعاً يَقَعُ في المادّةِ نَفسِها. المَوضِعُ هو الذي يَتَغَيَّر، لا ما يُوضَعُ فيه.
وهذا اللَّفظُ بِعَينِه يَرِدُ في مَوضِعٍ آخَرَ خَبَراً مُقَرَّراً بِصيغةِ الاستِفهام: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. هُناكَ فِعلٌ وَقَعَ ويُذَكَّرُ بِه، وهُنا فِعلٌ يُطلَبُ ولَم يَقَعْ بَعد. الجِذرُ واحِدٌ والمَقامانِ اثنان.
«لِي صَدْرِي»: لامٌ تَفتَحُ سِلسِلة، وياءٌ تَجري فيها
اللّامُ تَجعَلُ الفِعلَ واقِعاً لِصاحِبِ الطَّلَب. وهي أوَّلُ لامٍ في هذا الدُّعاء، تَعودُ بَعدَها مَرَّتَينِ في «وَيَسِّرْ لِي» و«وَاجْعَل لِّي».
والصَّدرُ في ص-د-ر مَوضِعُ الصُّدور: ما يَخرُجُ من الإنسانِ نَفَساً وكَلاماً إنَّما يَصدُرُ عنه. يُقالُ صَدَرَ الأمرُ عن فُلانٍ إذا خَرَجَ من مَوضِعِه إلى التَّنفيذ. فتَوسيعُ الصَّدرِ تَوسيعٌ لِلمَخرَجِ نَفسِه، قَبلَ أن يُقالَ حَرفٌ عن لِسانٍ أو عن قَول.
والياءُ في «صَدْرِي» أوَّلُ ياءٍ في سِلسِلةٍ تَتَوالى بَعدَها في كُلِّ مَطلوب. والدُّعاءُ يَبتَدِئُ بِطَلَبٍ ثُمَّ طَلَبٍ ولا يَقولُ بَعدُ لِماذا: العِلّةُ مُؤَجَّلةٌ لا مَنفِيّة. يُبتَدَأُ بِالمَوضِعِ الذي يَخرُجُ منه كُلُّ شَيء.
حَصيلة
أمرٌ بِالمُواجَهةِ يُقابَلُ بِسُؤالٍ عن النَّفس. و«رَبِّ» نِداءٌ حُذِفَت أداتُه وياؤُه فبَقِيَ أقصَرَ ما يُنادى بِه، والجِذرُ ر-ب-ب إمساكٌ لازِمٌ لا يُفلِت. والمَطلوبُ الأوَّلُ «اشْرَحْ» من ش-ر-ح: انتِشارٌ يَجري فيَتَّسِعُ به الباطِنُ ويَحتَوي، تَوسيعٌ في الجِرمِ لا رَفعُ غِطاء. والمَوضِعُ «صَدْرِي» من ص-د-ر: مَوضِعُ ما يَصدُرُ عن الإنسانِ من نَفَسٍ وكَلام. فالسّائِلُ لَم يَسألْ في قُدرةٍ ولا في طَريق، بَل في سَعةِ المَخرَج. واللّامُ في «لِي» تُصَيِّرُ الفِعلَ إلَيه، والياءُ في آخِرِ الكَلِمةِ أوَّلُ ياءٍ في سِلسِلةٍ ستَجري في كُلِّ مَطلوبٍ بَعدَها. وأمّا العِلّةُ فلَم تُقَلْ بَعد، والدُّعاءُ يَمضي طَلَباً في إثرِ طَلَب.