التكوير · الآية 1

﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ

«إِذَا»: وَقتٌ يُفتَحُ ولا يُغلَقُ بَعد

تَبدَأُ السورةُ بِظَرفٍ لا بِخَبَر. «إِذَا» تُوَقِّتُ ما هو واقِعٌ لا مَحالة، ولَيسَت «إن» التي تُعَلِّقُ الأمرَ على احتِمال. فالسامِعُ يُؤخَذُ من أوَّلِ حَرفٍ إلى زَمَنٍ مَفروغٍ من وُقوعِه، ويُتَركُ يَنتَظِرُ ما يَقَعُ فيه.

والانتِظارُ نَفسُه صَنعةُ السورة. تُفتَحُ الجُملةُ ولا تُغلَق، ثُمَّ تُفتَحُ أُخرى، ثُمَّ أُخرى، حتّى يَنزِلَ الجَوابُ أخيراً: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾. فالبابُ الذي فُتِحَ هُنا لا يُسَدُّ إلّا هُناك. مَن دَخَلَ الآيةَ الأُولى فقد الْتَزَمَ أن يَمشيَ إلى آخِرِ الشَّرط.

«الشَّمْسُ»: اسمٌ يَقولُ الانتِشارَ نَفسَه

الاسمُ مُعَرَّفٌ بِأل، مَعروفٌ قَبلَ أن يوصَف. والجِذرُ ش-م-س تَفَشٍّ دَقيقٌ يَنضَمُّ في بُؤرةٍ ثُمَّ يَجري عَنها جَرَياناً مُتَّصِلاً لا يَنقَطِع. فالكَلِمةُ في نَفسِها انبِساطٌ: كُتلةٌ لا تَكُفُّ عن أن تَخرُجَ من نَفسِها إلى ما حَولَها.

وهذا هو ما يَراهُ كُلُّ حَيٍّ كُلَّ يَوم. ضَوءٌ يَقَعُ على الجِدارِ وعلى الوَجهِ وعلى الماءِ في وَقتٍ واحِد، لا يُحصى أينَ بَلَغَ ولا مَن نالَه. الشَّمسُ في اسمِها بَذلٌ لا يَرتَدّ.

«كُوِّرَتْ»: لَفٌّ يَرُدُّ المُنتَشِرَ إلى نَفسِه

ثُمَّ يَأتي الفِعلُ فيَنقُضُ الاسمَ حَرفاً بِحَرف. ك-و-ر لَفٌّ يُدارُ طَبَقاً على طَبَقٍ حتّى يُجمَعَ المُنتَشِرُ ويُمسَك. كما تُدارُ العِمامةُ على الرَّأس، وكما يُجمَعُ المَتاعُ فيُلَفُّ بَعضُه على بَعضٍ قَبلَ الرَّحيل.

فالتي كانَت تَخرُجُ من نَفسِها تُرَدُّ إلى نَفسِها. والتي كانَ ضَوءُها لا يُحصى مَبلَغُه يُطوى كما يُطوى الثَّوبُ الواسِع. ولَيسَ في الفِعلِ ذِكرُ فاعِل: «كُوِّرَتْ» بِناءٌ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، فالشَّمسُ مَلفوفةٌ لا لافّة. أعظَمُ ما تَراهُ العَينُ يُساقُ في الآيةِ مَفعولاً بِه.


حَصيلة

آيةٌ من ثَلاثِ كَلِمات، فيها ظَرفٌ واسمٌ وفِعل. «إِذَا» تُوَقِّتُ الواقِعَ لا المُحتَمَل، وتَفتَحُ شَرطاً يَبقى مَفتوحاً إلى آخِرِ العَدّ. و«الشَّمْسُ» في جِذرِها ش-م-س تَفَشٍّ يَجري عن بُؤرَتِه فلا يَقِف. و«كُوِّرَتْ» في جِذرِها ك-و-ر لَفٌّ يُدارُ حتّى يُجمَعَ ما انتَشَر. فالكَلِمَتانِ مُتَقابِلَتانِ في المَعنى مُتَجاوِرَتانِ في السَّطر: بَذلٌ لا يَرتَدّ، ثُمَّ طَيٌّ يَرُدُّه كُلَّه. والبِناءُ لِلمَفعولِ يَحسِمُ الجِهة: ما لا يُطاقُ النَّظَرُ إليه يُلَفُّ ولا يَلُفّ.