الفاتحة · الآية 1
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«بـ» حرفُ الاتّصالِ والمُصاحَبة: ما يَعنيه افتتاحُ الكتابِ بها
الباءُ في العربيّةِ حرفُ جرٍّ له معانٍ لا تَنحصر، أشهرُها: الإلصاقُ، والاستعانة، والمُصاحَبة، والسببيّة. وهي في شكلِها نقطةٌ تحت بَطنِ وعاءٍ مُنفتِحٍ إلى أعلى كأنّها أوّلُ ما يَتلقّى. فحين تَفتتحُ الآيةُ الأولى الكتابَ بـب، تُعلنُ قبل أن تَقولَ شيئاً: ما يَلي ليس مِن نَفْسِ القارئ، بل هو مُلصَقٌ بالاسمِ المرفوع، مُستعينٌ به، مُصاحَبٌ له. القارئُ الذي يَبدأ بالبسملةِ قبل كلِّ فعل يَتعلّمُ من الحرفِ الأوّل أن يَنتسبَ إلى ما يَفوقُه.
ولذلك يَتدرَّجُ القارئُ في البسملةِ من الكلِّ إلى الجُزء: كتابٌ مِفتاحُه الفاتحة، وفاتحةٌ مِفتاحُها البسملة، وبسملةٌ مِفتاحُها الباء. وهي الباءُ المُلتصِقةُ بالاسم، فيَصيرُ الإنسانُ مُلتصِقاً بما يَلتصقُ به الاسم.
«اسم» من السموّ لا من الوَسْم
العربيّةُ تَعرفُ فرقاً دقيقاً بين «الوسم» و«الاسم». الوَسْمُ علامةٌ تُلصَقُ بظاهرِ الشيء من خارجه (كوَسمِ الإبلِ بالنار). والاسمُ، في الجذر الصحيح س-م-و، علامةٌ تَعلو الشيءَ وتَرتفعُ بهِ، تَدلّ عليه من فوق. السماءُ من الجذرِ ذاتِه، وكذلك السُّمُوّ. ف«اسم الله» ليس لَصيقاً يُوضعُ على نَفْسِه تعالى من خارج، بل علامةٌ مَرفوعةٌ يَهتدي بها القلبُ إلى ما لا يُحاط.
ومن هنا كان قولُ العرب: «رَفَعتُ له اسماً» يَعني أعليتُ ذكرَه. والمُسمَّى في هذا الاستعمالِ أعلى من الاسم؛ الاسمُ إشارةٌ تَقصُر، والمُسمَّى لا يُحيطُ به قولٌ ولا رَسم. فالبسملةُ في افتتاحِها بـ«بسم» تَعترفُ أوّلَ شيءٍ بأنّ ما نُسمّيه هو ما نَعجزُ عن الإحاطةِ به، وإنّما نَرفعُ له علامةً نَتوسّلُ بها، ونَصحبُها فيَصحبنا. وأعظمُ آيةٍ في البقرة تَنطقُ بهذا المعنى صريحاً: وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾. الاسمُ يُرفَع، والإحاطةُ تُمنَع.
«الرحمن» و«الرحيم»: وزنانِ من جذرٍ واحدٍ هو جذرُ الرَّحِم
ر-ح-م جذرٌ واحدٌ مَحورُه الاحتواءُ الحيُّ. منه «الرَّحِم»: العضوُ الذي يَحوي الحَملَ ويُغذّيه ويَحميه، فلا يَفصلُه عن نفسِه إلّا حين يَكتمل. ومنه «الرَّحمة» في معناها العربيّ: احتواءٌ يَحمي ويُنمّي، لا إشفاقٌ من فوقٍ يَهبُ ثمّ يَرفع. والعربُ تَعرفُ القُربى بـ«أولي الأرحام»: الذين يَجمعُهم رَحِمٌ واحد، فتَلزمُهم صِلةٌ دائمة.
و«الرحمن» على وزنِ فَعْلان، وهو في اللسانِ العربيِّ يَدلّ على الامتلاءِ والسَّعةِ في فعلٍ واحدٍ جامع (كـ«غَضْبان» و«شَبْعان» و«عَطْشان»: امتلاءٌ بالحال). فالرحمن هو الواسعُ الرحمةِ في فَيضٍ واحدٍ يَشملُ كلَّ كائن، مُؤمناً كان أو غيرَه، حيواناً أو جماداً، إذ الكلُّ في حِضنِ رحمتِه يَحيا. و«الرحيم» على وزنِ فَعيل، وهو وزنٌ يَدلّ على الراسخِ المُتجدِّد (كـ«كريم» و«عليم» و«حكيم»). فالرحيمُ هو الدائمُ الرحمةِ في قُربٍ يَتنزّلُ على مَن فَتحَ قلبَه للإصغاء.
ولذلك يَقرنُ القرآنُ الاسمَين مُتتاليَين: الأوّلُ سَعةٌ لا تَستثني، والثاني قُربٌ يَختصّ. وبينهما يَقعُ القارئ: يَدخلُ أوّلاً في حِضنٍ لا يَطردُه، ثمّ إن أقامَ على الإصغاءِ دامَت عليه صفةٌ أقرب.
ولا تَعودُ هاتانِ الصِّيغَتانِ مُجتَمِعَتَين في سورةِ البقرةِ كلِّها إلّا مرّةً واحدة: وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾. كأنّ السورةَ الطويلةَ كلَّها بُنيَت لتَنتهيَ بإعادةِ نُطقِ ما افتُتِحَ به الكتاب: التوحيدُ يَعودُ ليَستقرَّ في الحِضنِ نفسِه. السَّعةُ أوّلاً، ثمّ القُرب، ثمّ لا إله إلّا هو.
وحين تَذكرُ البقرةُ الرحيمَ وحدَه، تَذكرُه عند لحظةِ الرجوع: فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. الرحيمُ هنا هو الذي دامَ على آدمَ بعد السقوط. كأنَّ البسملةَ تَعدُ، والبقرةُ تُصدِّق: السَّعةُ تَشملُك حين خرجتَ، والقُربُ يَتنزّلُ عليك حين رَجَعت.
لماذا يَفتتحُ الكتابُ بالاسم، لا بالمُسمَّى مباشرةً
لو افتتح الكتابُ نفسَه بالمُسمَّى مباشرةً لاستحال القارئُ على إحاطة. لكنّ الباءَ تَضعُ القارئَ في مَوضعِ التابعِ لا المُحيط: «بـاسم» = في مُصاحبةِ علامةٍ مرفوعةٍ، لا في ادّعاءِ معرفةٍ كاملة. ثمّ يَجيءُ بعدَه اسمانِ من أسمائِه الحُسنى يَقولانِ إنّ مَن رُفِعَ له هذا الاسمُ لا يُخوِّفُ ولا يُقصي: هو سبحانه رحمةٌ واسعةٌ قبل كلِّ شيء، ورحمةٌ دائمةٌ في كلِّ حين.
فالبسملةُ قبل أن تَكونَ تبرُّكاً لفظيّاً هي بابُ دخولٍ إلى القراءة: لا يَقرأُ كتابَ الرحمةِ إلّا من دَخلَ من بابِ الرحمة. ومن فَتحَ الكتابَ على غيرِ هذا المَدخل، قرأَ حروفَه ولم تَقرأه.
حَصيلة
الكِتابُ يَفتَتِحُ نَفسَه بِحَرفٍ قَبلَ أن يَفتَتِحَ بِاسم: الباءُ تَلتَصِقُ بِما يَلي وتَضَعُ القارئَ في مَوضِعِ التّابِعِ لا المُحيط، فَيَدخُلُ في الكِتابِ مَن لا يَدَّعي إِحاطةً بِما فيه. ثُمَّ يَجيءُ الاسمُ، لا المُسَمَّى مُباشَرةً: عَلامةٌ مَرفوعةٌ مِنَ السُّموِّ لا وَسمٌ يُلصَق، تَدُلُّ على ما لا تَستَقِرُّ علَيه إحاطة. وبَعدَ الاسمِ الجامِعِ «اللهُ» يَتلوهُ اسمانِ مِن جِذرِ الرَّحِم: الرَّحمنُ على وَزنِ فَعلانَ في فَيضٍ واحِدٍ يَشمَلُ كُلَّ كائن، والرَّحيمُ على وَزنِ فَعيلَ في قُربٍ راسِخٍ يَتَجَدَّدُ على المُصغين. أَربَعُ خُطُواتٍ في نَفَسٍ واحِد: اتِّصالٌ، فَعَلامةٌ مَرفوعة، فسَعةٌ تَحوي، فقُربٌ يَدوم. هذه هي بَوّابةُ الكِتاب: لا تُقرَأُ صَفَحاتُه إلّا مِن دَخَلَ مِن هذا البابِ، فَالتَصَقَ بِالاسمِ، وَرَفَعَه عَن نَفسِ القارئ، ودَخَلَ في حِضنٍ لا يَطرُد، ودامَ علَيه قُربٌ يَتَنَزَّل.