البقرة · الآية 142

﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ

سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ: سينُ الاستباقِ وسَفَهُ خِفَّةِ الأحلام

السِّينُ في سَيَقُولُ سِينُ الاستقبالِ القريب، تَستَبِقُ الاعتراضَ قَبلَ أن يُقال، فتُخرِجُه من دائرةِ الشُّبهةِ النازلةِ على المؤمنِ بغتةً إلى دائرةِ السؤالِ المُعلَنِ المُتوقَّع، والجوابُ حاضرٌ قبلَ صياغةِ السؤال. ومَدارُ (س ف ه) في جَذرِها على خِفَّةِ الحِلمِ وخُلُوِّ المَحمِلِ من الثِّقَل، وليسَت الجَهلَ ولا قِلَّةَ العِلم، والسفيهُ هو الذي يَخِفُّ عنده ما يَثقُلُ عند العاقل، فيَستَعجِلُ الإنكارَ على ما لم يَستَوعِبْ ثِقَلَه. ولذلك أوثِرَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ على «بَعضُ الناسِ»، والصِّفةُ فيه لاصِقةٌ بالفِعلِ دونَ الشَّخص، فكلُّ من وَزَنَ تحويلَ القِبلةِ بميزانِ الجِهةِ وحدَها فقد وَقَعَ تحتَ الوَصف.

مَا وَلَّاهُمْ من (و ل ي) لا من (ب د ل): السؤالُ عن الولاءِ لا عن الاتِّجاه

وعُدِلَ في القرآنِ عن «ما بَدَّلَهُم» و«ما حَوَّلَهُم» إلى مَا وَلَّاهُمْ، بِفِعلٍ من جَذرِ (و ل ي). و(و ل ي) في نَواتِها المُلاصَقةُ والانعِطافُ القريب، ومنها الوَلاءُ والمَوالاةُ والتَّولِّي. فصياغةُ السؤالِ نَفسُها تَكشِفُ عقلَ السائل: هو يَرى القِبلةَ عَلاقةَ وَلاءٍ دونَ الاتِّجاهِ الهندسيّ، ولذلك يَستَنكِرُ تحويلَها كأنَّ الأمرَ انفِصامٌ في الهُويّة، لا تَعديلٌ في التَّوجيه. ومن هنا يَنكَشِفُ المَنطِقُ المَخفيُّ في السؤال، وهو أنّ السَّفيهَ يَقرأُ الشَّعيرةَ انتماءً، فكلُّ تعديلٍ عنده خيانةٌ لا طاعة. والقرآنُ اختارَ الفِعلَ الذي يَفضَحُ المَنطِقَ قبل أن يَرُدَّ عليه.

قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ: تقديمُ المالِكِ يَنزِعُ الصَّنمَ الجُغرافيّ

والجوابُ جاءَ بِتَقديمِ الجارِّ والمجرور لِلَّهِ على المُبتدأِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، وهذا التقديمُ يُفيدُ الاختِصاصَ والحَصر: كلُّ جِهةٍ في المِلكِ الإلهيّ، فلا جِهةَ تَحمِلُ قَداسةً في ذاتِها. والْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ تَعبيرٌ جامِعٌ بِالطَّرَفَين يَشمَلُ ما بينَهما، ولا يَقِفُ عِندَ تَثنِيةِ الجِهَتَين. و(ش ر ق) مَكانُ ظُهورِ الشَّمسِ وانبِساطِها، و(غ ر ب) مَكانُ غَيبَتِها، فالمَعنى أنّ الظُّهورَ والغَيبةَ، والبِدايةَ والنِّهايةَ، كلُّها مِلكُه. وبِهذا يَسقُطُ السؤالُ كُلُّه، والقِبلةُ أداةٌ يُحَرِّكُها صاحِبُ المِلكِ كيفَ شاءَ لِمَن شاءَ متى شاء، وليسَ هناكَ قِبلةٌ «له» وقِبلةٌ «عليه».

(ق ب ل): القِبلةُ نُقطةُ جَذبٍ من العُمقِ لا جِهةٌ هندسيّة

و(ق ب ل) في نَواتِها: القافُ قَطعٌ وإحكام، والباءُ اتِّصالٌ وتَمَسُّك، فالنَّواةُ (قب) حَدٌّ مُحكَمٌ يَتَّصِلُ ويَبرُز، ثم تُعَلِّقُ اللامُ هذا البُروزَ باتِّجاهٍ ممتَدّ، فصارَت القِبلةُ نُقطةَ جَذب، ولا تَقِفُ عِندَ كَونِها نُقطةَ وُصولٍ هندسيّة. ومن هنا يَفتَرِقُ مَفهومُ القِبلةِ عن مَفهومِ الجِهة: الجِهةُ تُحدَّدُ بالبُوصلة، والقِبلةُ تُحدَّدُ بِما تَستَجلِبُه من داخلِ القالِب البَشريّ. ولذلك كانَ تحويلُ القِبلةِ إعادةَ ضَبطٍ لِنُقطةِ الجَذبِ الدَّاخليِّ نفسِها، زِيادةً على تَحريكِ مَوقِعِ الصلاة: مِن انتِماءٍ يَربِطُ الشَّعيرةَ بِمَرجِعيّةٍ بَشَرِيّةٍ سابِقة، إلى اتِّصالٍ يَربِطُها بالمُرسِلِ مُباشَرةً.

(ص ر ط) + (ه د ي): الهدايةُ نَقلٌ من التَّشتُّتِ إلى الاشتِمال

و(ص ر ط) مَسارٌ مَتينٌ مُمتَدٌّ (صر) يَشتَمِلُ على سالِكِه (ط)، فالصِّراطُ يوصَفُ بِـ«المُستَقيم» صِفةَ قيامٍ واستِواء، لا صِفةَ هَندَسة، أي أنّه طَريقٌ لا يَتَفَرَّعُ ولا يَنقَطِع. والهدايةُ في يَهْدِي مَن يَشَاءُ فِعلُ مُبادَرةٍ إلهيّة، وليسَت جَزاءَ استِحقاق، ومُتَعَلَّقُ المَشيئةِ مَن فَتَحَ بابَ قَلبِه دونَ مَن أَغلَقَه على هُوِيَّتِه السَّابِقة. وهكذا تَتَقابَلُ الآيةُ على مِحوَرَين: السَّفيهُ سَريانٌ خَفيفٌ يَتَفَرَّقُ في فَراغ (س ف ه)، والمُهتَدي مَسارٌ مَتينٌ مُشتَمِلٌ يَسلُكُ فيه الإنسانُ بِكامِلِه (ص ر ط). فالآيةُ تَصِفُ نَوعَين من البَشَر، ولا تَكتَفي بِالرَّدِّ على الشُّبهة: مَن يَزِنُ الشَّعيرةَ بِولاءٍ قَبَلِيٍّ فيُعادي تعديلَها، ومَن يَزِنُها بالتَّوجيهِ الإلهيِّ فيَسلُكُ حيثُ وُجِّه.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: القِبلةُ في الكَلِمةِ نُقطةُ جَذبٍ يُحَرِّكُها صاحِبُ المِلك، وليسَت صَنَماً جُغرافِيّاً يُورَثُ بالوَلاء، فَمَن قَرَأَها انتِماءً سَفِه، ومَن قَرَأَها تَوجيهاً اهتَدى.


حَصيلة

سِينُ الاستِقبالِ في سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ تُدخِلُ الاعتِراضَ في دائِرَةِ المُتَوَقَّعِ قَبلَ وُقوعِه، فَيَسقُطُ صاحِبُه من مَرتَبَةِ المُشَكِّكِ إلى مَرتَبَةِ المَرصود. والسُّفَهاءُ في (س-ف-هـ) خِفافُ الأحلامِ الذينَ يَخِفُّ عِندَهُم ما يَثقُلُ عِندَ العاقِل، وليسوا الجُهّال، فسَريانُهُمُ الفِكريُّ يَتَشَتَّتُ في فَراغٍ بِلا ثِقَل. وأمّا جَذرُ (و-ل-ي) في مَا وَلَّاهُمْ﴾ فَيَكشِفُ مَنطِقَ السّائِلِ ذاتِه: هو يَسأَلُ عن وَلاءٍ اعتَبَرَهُ انتِماءً، ولا يَسأَلُ عن جِهَةٍ هَندَسيَّة، فَكُلُّ تَعديلٍ في القِبلَةِ يَبدو لَهُ انفِصاماً لا طاعَةً. والجَوابُ يَجيءُ بِتَقديمِ لِلَّهِ﴾ على الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ حَصراً واختِصاصاً: كُلُّ جِهَةٍ في المِلكِ الإلَهيِّ، فلا جِهَةَ تَحمِلُ قَداسَةً في ذاتِها. والمَشرِقُ والمَغرِبُ طَرَفانِ يُذكَرانِ لِيَشمَلا ما بَينَهُما، فَيَسقُطُ الصَّنَمُ الجُغرافيُّ كُلِّيّاً. وجَذرُ (ق-ب-ل) في القِبلَةِ يُفارِقُ الجِهَة: نَواتُه قُوَّةٌ عَميقَةٌ تَبرُزُ وتَتَعَلَّقُ باتِّجاه، والقِبلَةُ نُقطَةُ جَذب، وما هي بِوُصولٍ هَندَسيٍّ وَحدَه، وتَحويلُها إعادَةُ ضَبطٍ لِلجَذبِ الدّاخليِّ نَفسِه. وأمّا خِتامُ الآيةِ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ فَيُقابِلُ جَذرَي (ص-ر-ط) و(ه-د-ي) بِجَذرِ (س-ف-هـ): السَّفيهُ سَريانٌ خَفيفٌ يَتَفَرَّقُ في فَراغ، والمُهتَدي مَسارٌ مَتينٌ مُشتَمِلٌ يَسلُكُه الإنسانُ بِكامِلِه، فالهِدايَةُ مُبادَرَةٌ إلَهيَّةٌ تَنقُلُ مَن فَتَحَ قَلبَهُ من التَّشَتُّتِ إلى الاشتِمال.