البقرة · الآية 123

﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ

جذر (و ق ي) في «اتَّقُوا»: وِقايَةٌ تُبنى مُسبَقاً لا خَوفٌ لَحظيّ

«اتَّقوا» من (و ق ي)، ومَعناه: اتَّخِذوا ما يَقيكُم، وقد عُدِلَ بِالأمرِ عن «خافوا» إلى «ابنوا وِقايَة». والفَرقُ بُنيَويّ، فالخَوفُ انفِعالٌ لَحظيّ، والوِقايَةُ إجراءٌ يَتَراكَمُ قَبلَ وُقوعِ الحَدَث. واليَومُ المُنَكَّرُ «يَوماً» يُثيرُ هَيبَتَه بِالإبهام، ولا يَجوزُ تَأجيلُ الوِقايَةِ إلى لَحظَةِ وُقوعِه، لأنَّ مَن وَصَلَ إلَيهِ بِلا وِقايَةٍ سابِقَةٍ لَن يَلحَقَ بِشَيء.

جذر (ج ز ي) في «لَا تَجْزِي»: حَصادٌ ذاتيٌّ لا يَنقُلُه أحَدٌ عن أحَد

و«تَجزي» من (ج ز ي)، وهو حَصادٌ مُكتَنِزٌ (جز) يَتَّصِلُ بِصاحِبِه (ي)، فالجَزاءُ حَصاد، ومَن لَم يَزرَعْ لا يَحصُد. وقَولُه لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا يَقطَعُ تَصَوُّرَ نَقلِ الحَصاد، أي لا يَحصُدُ أحَدٌ عن أحَد، ولا يُضَمُّ مَحصولُ فُلانٍ إلى سِلَّةِ فُلان. والمُنطَلَقُ الأخلاقيُّ الذي يَبني عَلَيهِ البَعضُ اتِّباعَ الكِبارِ في الخَطَإ، أي قَولُ القائِلِ أخطَأنا لأنَّ الكِبارَ أخطَؤوا، باطِلٌ من أصلِه، إذ مَحصولُ الكِبارِ لَن يَنتَقِلَ إلى مَن تَبِعَهُم، ومَحصولُ التّابِعِ لا يَذهَبُ إلَيهِم.

جذر (ع د ل) في «عَدْل»: مِقدارٌ مُوازِنٌ يَرفُضُهُ النِّظامُ هُناك

و«عَدل» بِفَتحِ العَينِ من (ع د ل)، وهو مِقدارٌ مُساوٍ يُقابِلُ بِه الشَّيءُ شَيئاً، ومِنه «عَدلُه ذَهَباً»، أي ما يُساوي وَزنَه. والآيَةُ تُغلِقُ بابَ الفِديَة، أي لا يُقابِلُ التَّقصيرَ في ذلِكَ اليَومِ مِقدارٌ ماديّ، والنِّظامُ الاقتِصاديُّ الذي يَشتَري النَّجاةَ لا يَعمَلُ هُناك، والثَّروَةُ التي تَحسِمُ كُلَّ شَيءٍ في الدُّنيا تُوقَفُ عَلى البابِ هُناك.

جذر (ش ف ع) في «شَفَاعَة»: انضِمامُ ثانٍ يُقَوّي الأوَّلَ لا يَستَبدِلُه

و«شَفاعَة» من (ش ف ع)، وأصلُه ضَمُّ طَرَفٍ إلى طَرَفٍ حَتّى يَصيرا شَفعاً بَعدَ وِتر، فالشَّفيعُ مَن يَقِفُ بِجانِبِ صاحِبِ الحاجَةِ لِيَنكَشِفَ أمرُه من العُمق. ولِذلِك كانَتِ الشَّفاعَةُ كاشِفَةً لِمَحصولٍ مَوجودٍ بِالفِعل، غَيرَ صانِعَةٍ مَحصولاً لَيسَ مَوجوداً. ومَن لا مَحصولَ عِندَه لا شَفاعَةَ تَنفَعُه، إذ الشَّفيعُ لا يَخلُقُ الخَيرَ من عَدَم، وإنَّما يُظهِرُ ما زُرِع. وبِهذا يُفَسَّرُ تَقييدُها في القُرآنِ بِـإِلَّا بِإِذْنِهِ، والإذنُ فيها مَشروطٌ بِوُجودِ ما يُشفَعُ فيه.

جذر (ن ص ر) في «يُنْصَرُونَ»: لا مَدَدَ يَأتي من خارِجِ الذّات

و«يُنصَرون» من (ن ص ر)، ومادَّتُه نَفاذٌ صُلبٌ (نص) يَستَرسِل (ر) إلى مُحتاج. وقَولُه وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ يُغلِقُ آخِرَ باب، ولا يَتَبَقّى بَعدَ الجَزاءِ وبَعدَ رَفضِ العَدلِ وبَعدَ تَعطيلِ الشَّفاعَةِ المُستَقِلَّةِ مَخرَجٌ تَدَخُّليّ. والنَّصرُ الذي كانَ مُتاحاً في الدُّنيا (جيشٌ، حَليف، قَبيلَة، جَماعَة) لا مَوضِعَ لَه هُناك، وقد أُبحِرَتِ السَّفينَة، ومَن رَكِبَ فيها فقد نَجّى نَفسَه.

أربَعَةُ أبوابٍ مُغلَقَةٍ: البُنيَةُ البَلاغيَّةُ تَنفيضٌ مَنهَجيّ

وتَنفي الآيَةُ أربَعَةَ أبوابٍ بِالتَّرتيب: جَزاءَ نَفسٍ عن نَفس، وقَبولَ عَدل، ونَفعَ شَفاعَة، ووُرودَ نَصر، وكُلُّ بابٍ مِنها يُمَثِّلُ نَموذَجاً بَشَريّاً لِلخَلاصِ من التَّبِعات: تَفويضاً لِقَريب، وافتِداءً بِمال، ووَساطَةً لِذي جاه، ونَجدَةً من جَماعَة. وقد أغلَقَتِ الآيَةُ الأربَعَةَ في جُملَةٍ واحِدَة، ثُمَّ عادَت إلى الأمرِ الافتِتاحيّ: «اتَّقوا»، والوِقايَةُ وَحدَها هي ما يَسري، ومَن لَم يَبنِها هُنا لَم يَجِدْ بَديلاً هُناك.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «اتَّقوا» بِناءُ وِقايَةٍ لا انفِعالُ خَوف، و«الجَزاء» حَصادٌ ذاتيٌّ لا يَنتَقِل، و«العَدل» مِقدارٌ ماديٌّ يَرفُضُه ذلِكَ النِّظام، و«الشَّفاعَة» انضِمامٌ يَكشِفُ مَحصولاً مَوجوداً ولا يَصنَعُ مَحصولاً مَعدوماً، و«النَّصر» مَدَدٌ يَنقَطِعُ عِندَ البابِ الأخير، وهي أربَعَةُ أبوابٍ مُغلَقَةٍ لا يَبقى بَعدَها إلّا وِقايَةٌ بُنيَت في وَقتِها.


حَصيلة

«اتَّقوا» من و-ق-ي أمرٌ بِبِناءِ الحاجِز، وليسَ أمراً بالخَوف، والوِقايَةُ حاجِزٌ قَويٌّ يُمتَدُّ في الزَّمَنِ قَبلَ أن يُحتاجَ إلَيه، وكَلِمةُ «يَوماً» المُنَكَّرَةُ تُبهِمُ المَوعِدَ عَمداً لأنَّ مَن وَصَلَ إلَيهِ بِلا وِقايَةٍ سابِقَةٍ لَن يَلحَقَ بِشَيء. ثُمَّ تَنفي الآيَةُ الأبوابَ الأربَعَةَ التي يَلجَأُ إلَيها كُلُّ مُفَوِّض: فالجَزاءُ من ج-ز-ي حَصادٌ مُكتَنَزٌ لا يَنتَقِلُ إلى سِلَّةِ غَيرِه، وبِذلِك يَقطَعُ قَولُه لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ وَهمَ نَقلِ المَحصول. والعَدلُ من ع-د-ل، وهو المِقدارُ المُوازِنُ الذي يَشتَري به المَرءُ نَجاتَه في الدُّنيا، يُوقَفُ عَلى البابِ، لِأنَّ نِظامَ الفِداءِ المادّيِّ لا يَعمَلُ هُناك. والشَّفاعَةُ من ش-ف-ع تَكشِفُ مَحصولاً زُرِعَ بِالفِعل، ولا تَصنَعُ مَحصولاً من عَدَم، فَمَن لا زَرعَ عِندَه لا تَنفَعُه شَفاعَة. ثُمَّ تُختَمُ الآيَةُ بـوَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ من ن-ص-ر، ولا مَدَدَ يَأتي من خارِجِ الذّاتِ بَعدَ أن سَقَطَتِ الأبوابُ الثَّلاثَةُ قَبلَه. والبِنيَةُ البَلاغيَّةُ تَنفيضٌ مَنهَجيٌّ لا تَخويفٌ عاطِفيّ، تُسَدُّ فيه أربَعُ مَسالِكَ لِلخَلاصِ المُستَعارَةِ مِنَ الدُّنيا واحِدَةً بَعدَ واحِدَة، ثُمَّ يَعودُ الخِطابُ إلى مَبدَئِه: «اتَّقوا»، والوِقايَةُ التي تُبنى في وَقتِها هي الجَوابُ الوَحيدُ الذي تَترُكُه الآيَةُ مَفتوحاً.