البقرة · الآية 171

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ

وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ: بنية التمثيل المزدوج + كاف التشبيه في الحال لا في الذات

و«مَثَلُ» من (م ث ل)، وهي صورةٌ تُقرّب حالاً إلى حال، ولا تُطابق الذات بالذات. والتركيب وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ تركيبٌ دقيقٌ يُقابل بين «مَثَل» و«مَثَل»، لا بين الكافر والناعق مباشرةً. ومعنى ذلك أنّ المشبَّه به الحالةُ القائمة بين الراعي والبهيمة، وليس أحدَهما: العلاقة التواصليّة التي يكون فيها الصوت حاضراً والمعنى غائباً. وكاف التشبيه في «كَمَثَل» تُقيَّد بالوجه الذي بُني عليه التشبيه، وهو هنا غياب الربط بين الصوت ومدلوله. فالمقصود أنّ حال تلقّي الذي كفر للحقّ كحال الدابّة حين تسمع نعيق الراعي: الأذن تستقبل، والمعنى لا يعبر، وليس المقصود أنّه بهيمةٌ في ذاته، ولا أنّ الداعي راعٍ في ذاته. والفعل «يَنْعِقُ» من (ن ع ق) مضارعٌ يدلّ على استمرار الحدث وتكراره، أي أنّ النعيق ممارسةٌ متواصلة، وليس صرخةً عابرة، وكذلك الدعوة المتكرّرة التي تُقابَل بجدارٍ من الصمم المتعمَّد.

بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً: ما الموصولة + الباء للإلصاق + استثناء يُفرغ لا يُثبت

و«مَا» في بِمَا لَا يَسْمَعُ موصولةٌ تعود على المنعوق به (الغنم أو البهائم)، وجيء بها دون «مَن» لأنّ المقصود التأكيد على انتفاء العقل عن المنعوق به لا تمييز شخصه. والباء في «بما» للإلصاق والتعدية، أي أنّ النعيق مُلصَقٌ بمن لا يفقه، مستهدِفٌ إيّاه بالصوت لا بالمعنى. والأسلوب لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً استثناءٌ مُفرِّغ لا مُثبِت: ظاهره إثبات سماع الدعاء والنداء، وحقيقته تفريغ السماع من كلّ مضمون معنويّ وحصره في الصوت المجرّد. والدعاء والنداء لفظان متقاربان لا مترادفان: الدعاء من (د ع و)، وهو صوتٌ محتبس يصعد من عمقٍ طالباً، والنداء من (ن د و)، وهو صوتٌ ينفذ ثمّ يثبت. فاجتماعهما في النفي تأكيدٌ على أنّ المسموع كلّه صوتٌ بلا فَهم: لا النداء يُحمَل على طلبٍ يُفقَه، ولا الدعاء يُحمَل على معنىً يُستخرَج، والذي كفر يسمع صوتَ الحقّ ولا يسمع الحقَّ نفسه.

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ: أخبارٌ مُتتابعةٌ بلا عاطف + بناء فُعْل للصفة الملازمة

وجاءت الصفات الثلاث مرفوعةً منوّنةً دون حرف عطفٍ بينها، وهذا الأسلوب في العربيّة يُسمّى سَردَ الأخبار، ويُفيد ثبوت كلّ وصفٍ استقلالاً ثمّ اجتماعها كتلةً واحدة. ولو عُطفت بالواو لكانت مجرّد أوصافٍ مضافة، غير أنّها جاءت متتابعةً متلاصقةً لتفيد أنّ كلّ وصفٍ منها كافٍ وحده لحجب الحقّ، ثمّ إنّ اجتماعها يُحكم الإحاطة بالإنغلاق. وهي جميعاً على وزن فُعْل (صُمّ، بُكْم، عُمْي)، وهذا الوزن يُفيد الصفة الراسخة الملازمة لا الحالة الطارئة: فيهم صفةٌ قارّةٌ صارت طبيعةً ثانية، وليس فيهم صممٌ مؤقّت ولا عمىً عارض. وترتيب الصفات معنويّ: الصمم يَمنع دخولَ الحقّ، والبَكَم يَمنع إقرار اللسان به، والعمى يَمنع رؤيةَ أدلّته. فالاستقبالُ والإقرارُ والاستبصارُ مُعطَّلةٌ جميعاً، وهي ثلاث دفعاتٍ يحتاج إليها الحقّ ليستقرّ في القلب، وقد أُغلقت الثلاث معاً.

فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ: فاء السببيّة + ضمير الفصل + (ع ق ل) ربط بحبل لا ذكاء مجرّد

والفاء في فَهُمْ فاء السببيّة والترتيب على ما قبلها: لمّا انسدّت المنافذ الثلاث ترتّب على ذلك انقطاع الربط. والضمير «هُم» مبتدأٌ يُقدَّم على خبرِه الفعليّ ليُفيد الحصر والتخصيص، أي هؤلاء بأعيانهم، لا غيرهم، هم الذين عطّلوا عقولهم. وجذر (ع ق ل) تقدّم في الآية 164 و170: النواة (ع ق) قبضٌ، واللام تَصلُ بين المقبوضات كحبلٍ يربط. فالعقل في القرآن فعلُ ربطٍ بين المشاهَد وعِلّته، وبين الأثر ومُحدِثه، وبين العلامة والمعنى، وليس ذكاءً مجرّداً ولا ذاكرةً ولا حدساً. ومَن فقد العقل بهذا التعريف فقد فَقَدَ قدرتَه على وصل ما بين يديه ببعضه، ولم يَفقد ذهناً. فالكافر في هذه الآية يسمع الصوت ويرى الحركة، غير أنّه لا يربط بين صوت الداعي ومعنى دعوته، ولا بين إشارة الآية ومُرسِلها. وهذا هو التفسير الحقيقيّ لتشبيهه بالبهيمة التي تسمع نعيقَ الراعي: البهيمة لا تملك رابطاً بين الصوت والمعنى، والكافر عطّل هذا الرابط بيدِه، فصارت حال الاثنين حالاً واحدةً في وجه التمثيل، وإن اختلفتا في الأصل: البهيمة لم تُخلق لتعقل، والكافر خُلق لها فعطّلها.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة. و«الكفر» دورُ تعطيلِ أدوات الاستقبال والربط، وليس مصطلحَ جحودٍ لفظيّ؛ حين تُغلَق الأذن عن المعنى ويُحبَس اللسان عن الإقرار وتُحجَب العين عن الدليل ويُقطَع الحبلُ بين الأثر ومؤثّره، استحقّ الإنسانُ وصفَ الذي يُنعَق به لا الذي يَفقَه النداء.


حَصيلة

الآيةُ ختامُ مَقطَعِ التَّقليدِ والإعراضِ بتَمثيلٍ حادٍّ يُصَوِّرُ آلِيَّةَ اللّاتَقَبُّل: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾. والمُشَبَّهُ به الحالَةُ القائِمَةُ بَينَ الرّاعي والغَنَم، وليس أحَدَهما: صَوتٌ حاضِرٌ ومَعنىً غائِب. والاستِثناءُ المُفَرِّغُ يُفيدُ أنَّ المَسموعَ كُلَّه صَوتٌ خالٍ من المَضمون: لا الدُّعاءُ (الصَّوتُ الصّاعِدُ من العُمقِ طالِباً) يُحمَلُ على طَلَبٍ يُفقَه، ولا النِّداءُ (الصَّوتُ النّافِذُ الثّابِت) يُحمَلُ على مَعنىً يُستَخرَج. ثمَّ تَأتي الثَّلاثِيَّةُ الوَصفِيَّةُ سَرداً بلا عاطِف: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾، كُلٌّ منها على وزنِ فُعلٍ للصِّفَةِ الرّاسِخَة، وكُلٌّ كافٍ وَحدَه لحَجبِ الحَقّ، ثمَّ تَتَجمَّعُ كُتلَةً واحِدَة: الصَّممُ يَحجُبُ الدُّخول، والبَكَمُ يَحجُبُ الإقرار، والعَمى يَحجُبُ الاستِبصار. والفاءُ السَّبَبِيَّةُ تُرَتِّبُ النَّتيجَة: فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. والعَقلُ (ع-ق-ل) حَبلٌ يَربِطُ المَشاهَدَ بِعِلَلِها، وحينَ تَنسَدُّ المَنافِذُ الثَّلاثُ يَنقَطِعُ الرَّبطُ ولا تَبقى إلّا حِسَّاتٌ بلا مَعنى.