البقرة · الآية 229

﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ

مَوقِعُ الآية: حَصرُ عَددِ الطَّلَقاتِ في بِنيةٍ مُغلَقة

افتُتِحَتِ الآيةُ بِجُملةٍ حاسِمة: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ، فالطَّلاقُ الرَّجعيُّ الَّذي تُتاحُ بَعدَه الرَّجعةُ لا يَتَكَرَّرُ إلّا مَرَّتَين، وما سِوى ذلك خارِجُ البِنية. وهذا الحَصرُ بِنَفسِه يَقطَعُ طَريقَ التَّكرارِ بِلا عَدَد، حَيثُ يُمكِنُ أن يُطَلِّقَ الرَّجُلُ ويُراجِعَ ما شاءَ كُلَّما اقتَرَبَت عِدّةُ المَرأةِ مِنَ الانتِهاء، فتَصيرَ أداةً في يَدِه، وقد أغلَقَ النَّصُّ هذا البابَ بِالعَدَد.

جَذرُ (م س ك) وَ«الإمساكُ بِمَعْرُوفٍ»: وَظيفةُ الاحتِواءِ الكَريم

و«الإمساكُ» (م س ك) فِعلُ قَبضٍ وحِفاظ، وبِمَعْرُوفٍ قَيدٌ يُبَدِّلُ طَبيعَتَه، فهوَ إمساكٌ بِالمَعروف: بِالمَوَدّةِ الواقِعيّة، والعِشرةِ الحَسَنة، وصَونِ الكَرامة، لا بِالقُوّةِ أو بِالضَّنّ. فإمساكُ الرَّجُلِ لِزَوجَتِه في هذه المَرحَلةِ الحَرِجةِ لا يَجوزُ أن يَكونَ حَبسًا ولا امتِلاكًا، ولا بُدَّ أن يَكونَ احتِواءً كَريمًا.

جَذرُ (س ر ح) وَ«التَّسريحُ بِإِحْسَانٍ»: فِراقٌ يَحفَظُ المَرأة

ولِكَلِمةِ «تَسريح» (س ر ح) جَمالٌ يُشارُ إلَيه، والتَّسريحُ في أصلِ الجَذرِ إرسالُ الماشيةِ إلى مَرعاها صَباحًا، في يُسرٍ وانسِيابٍ وسَعة. وآثَرَ النَّصُّ «تَسريحًا» على «طَرد» و«إخراج»، وأُضيفَ إلَيها بِإِحْسَانٍ، أي بِزيادةٍ مِنَ الخَيرِ لا بِنَقصٍ مِنَ الحَقّ. فالمَرأةُ في لَحظةِ الانفِصالِ يَجِبُ أن تَخرُجَ مَصونةَ الكَرامة، مَحمولةً بِخَيرٍ إضافيّ، غَيرَ مَطرودة.

تَحريمُ استِردادِ المَهر: حَمايةُ اقتِصادِ المَرأة

وقَولُه وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا تَحريمٌ قاطِعٌ لِاستِرجاعِ ما أُعطِيَ، يَقطَعُ بِه النَّصُّ تَصَوُّرَ أنَّ لِلزَّوجِ حَقًّا في استِرجاعِ ما أعطى لِزَوجَتِه إن طَلَّقَها: ما أُعطِيَ أُعطِيَ، ومِلكُ المَرأةِ مِلكُها. فيَخسَرُ الرَّجُلُ مالِيًّا مَعَ كُلِّ طَلاق، وهذا يَعمَلُ رادِعًا اقتِصاديًّا ضِدَّ التَّسَرُّعِ في الطَّلاق.

«الخُلع» مَشهَدٌ استِثنائيّ: حَقُّ المَرأةِ في فَسخِ العَقد

والاستِثناءُ المَذكورُ إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ بابُ طَوارِئَ مَفتوحٌ لِلمَرأة، وليسَ تَنازُلًا لِلرَّجُل، فإن شَعَرَتِ المَرأةُ أنَّها لا تُطيقُ هذا الزَّواجَ بَعدَ الآن فلَها أن تَبذُلَ جُزءًا مِمّا أخَذَت (أو كُلَّه) بَدَلًا لِفَسخِ العَقد. ودَلالةُ ذلك أنَّ النَّصَّ يُعطي المَرأةَ طَريقًا واضِحًا لِلخُروج، لا تَكونُ فيه أسيرةَ قَرارِ الزَّوج. والفاعِلُ في افْتَدَتْ هيَ المَرأةُ دونَ الزَّوج، وهيَ المُبادِرةُ بِالاستِرداد، والرَّجُلُ غَيرُ مُبتَزّ.

جَذرُ (ح د د) و«حُدودُ اللهِ»: البِنيةُ التَّشريعيَّةُ حارِسةٌ لا سِجن

و«الحَدُّ» (ح د د) في اللُّغةِ هوَ الفاصِلُ بَينَ شَيئَين، كحَدِّ الأرضِ عَنِ الأرض، فـ«حُدودُ اللهِ» هُنا هيَ العَلاماتُ الفاصِلةُ بَينَ المُباحِ والمُحَرَّم، وبَينَ المَعروفِ والمُنكَرِ في العَلاقةِ الزَّوجيّة. وقد كَرَّرَتها الآيةُ أربَعَ مَرّاتٍ في كَلامٍ قَصير، ثُمَّ خَتَمَت بِـوَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، فالتَّعَدّي ظُلم، والالتِزامُ حِماية، وهذه الحُدودُ أسوارٌ تَحمي البَيتَ مِنَ الانهِيار، وليسَت قُيودًا تُضَيِّقُ على النّاس.

شُموليَّةُ الخِطاب: «يَخَافَا… خِفتُم»

وفي ضَمائِرِ الخِطابِ تَدَرُّج: أوَّلًا إِلَّا أَن يَخَافَا تَشمَلُ الزَّوجَينِ مَعًا، ثُمَّ تَخرُجُ فَإِنْ خِفْتُمْ إلى الجَماعةِ المُحيطة (الأهلِ والحُكّام). فقَرارُ الخُلعِ تُشارِكُ فيه البيئةُ الَّتي تَعرِفُ حالَهُما وتَشهَدُ بِصِحّةِ الخَوفِ مِن عَدَمِ إقامةِ الحُدود، وليسَ شَأنًا زَوجيًّا بَحتًا، وهذا يَمنَعُ المَرأةَ مِنَ الضَّياعِ في نِزاعٍ داخِليٍّ بَحت.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«الطَّلاقُ مَرَّتان» حَصرٌ يَمنَعُ تَحويلَ الزَّواجِ إلى عَذابٍ مُتَواصِلٍ بِطَلاقٍ بِلا عَدَد، و«الإمساكُ بِمَعْرُوفٍ» احتِواءٌ كَريمٌ لا حَبس، و«التَّسريحُ بِإِحْسَانٍ» فِراقٌ يَزيدُ المَرأةَ خَيرًا ولا يَنقُصُها حَقًّا، و«حَرامٌ استِردادُ المَهر» حِمايةٌ اقتِصاديّةٌ لَها ورادِعٌ لَه، و«الخُلع» بابُ طَوارِئَ يَفتَحُ لِلمَرأةِ طَريقَ الخُروج، و«حُدودُ اللهِ» أسوارٌ حارِسةٌ لِلبَيتِ لا سِجنٌ لِساكِنيه.


حَصيلة

تَقطَعُ الآيةُ تَصَوُّرَ الطَّلاقِ سِلاحاً غَيرَ مَحدودٍ بِيَدِ الرَّجُل: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ حُكمٌ حاسِمٌ يَحصُرُ الطَّلاقَ الرَّجعيَّ في مَرَّتَين. وبَعدَ كُلِّ مَرّةٍ خِيارٌ ذو جِهَتَينِ لا ثالِثَ لَهُما: جِذرُ م-س-ك في «إمساك» قَبضٌ يَحفَظُ المَرأةَ في الزَّواجِ بِاحتِواءٍ كَريم، وجِذرُ س-ر-ح في «تَسريح» إرسالُ الماشيةِ إلى مَرعاها في يُسرٍ وسَعة، أي فِراقٌ يَزيدُ ولا يَنقُص، وكِلاهُما مَشروطٌ بِمِعيارٍ جامِع: «بِمَعْرُوفٍ» و«بِإِحْسَانٍ». ثُمَّ يَمنَعُ النَّصُّ استِرجاعَ المَهرِ مَنعاً مُطلَقاً، فيَجعَلُ الطَّلاقَ ذا كُلفةٍ مالِيّةٍ رادِعة. ويَستَثني حالةَ الخُلعِ بِصياغةٍ دَقيقة: فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، وجِذرُ ف-د-ي في «افْتَدَتْ» يَجعَلُ المَرأةَ الفاعِلةَ المُبادِرةَ لا الخاضِعةَ المُبتَزّة، وهوَ بابُ طَوارِئَ عِندَ خَوفِ عَدَمِ إقامةِ حُدودِ الله. وجِذرُ ح-د-د في «حُدودَ الله» المُتَكَرِّرِ أربعَ مَرّاتٍ هوَ الفاصِلُ بَينَ المُباحِ والمُحَرَّمِ في البَيت، وهيَ أسوارٌ حارِسةٌ لا سِجن. وجِذرُ ظ-ل-م في الخِتامِ يُسَمّي عاقِبةَ التَّعَدّي، فالتَّلاعُبُ بِالطَّلاقِ ظُلمٌ مُسَمّىً، ولا يَكفي في وَصفِه أنَّه مُخالَفة.