البقرة · الآية 280

﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

(ك و ن) الشَّرطُ الافتِراضيّ

بَدَأَتِ الآيةُ بـ«وإن كانَ ذو عُسرة»، ولَم يُسَمِّ الشَّرطُ المَدين، وهذا الحَذفُ اللُّغَويُّ مُهِمّ، وتَقديرُ الجُملة: «وإن كانَ (المَدين) ذا عُسرة». ولَم يُصَرَّح بالمَدينِ حَتّى لا يُختَصَرَ الحُكمُ على عَلاقةٍ واحِدة، فقَد يَكونُ المَدينُ شَريكًا في تِجارة، أو مُشتَريًا بدَينٍ مُؤَجَّل، أو مُقتَرِضًا. وعُمومُ الشَّرطِ يُوَسِّعُ تَطبيقَ الحُكمِ على كُلِّ عَلاقاتِ الدَّينِ في المُجتَمَع، لا على الرِّبا وَحدَه.

(ع س ر) مَفهومُ العُسرة

ومَدارُ (ع س ر) على الصُّعوبةِ والضّيق، والعُسرةُ مَصدَرٌ يَدُلُّ على حالةٍ من الضَّنَكِ الماليّ، و«ذو عُسرة» مِلكيَّةٌ مَجازيَّة، أي صاحِبُ عُسرة، وهو الذي يَحمِلُ هذه الحالةَ معه. وقد جَعَلَتِ اللُّغةُ العُسرةَ وَصفًا مُلازِمًا لصاحِبِها في هذه اللَّحظة، لا حادِثةً عابِرة، فمَن يَقَعُ في العُسرةِ يَصيرُ «ذا عُسرة»، ويَستَحِقُّ بذلك وَضعًا قانونيًّا خاصًّا.

(ن ظ ر) + (ي س ر) الإنظارُ إلى المَيسَرة

واللَّفظُ «نَظِرة» من (ن ظ ر) التي تَجمَعُ بَينَ المُشاهَدةِ والانتِظار، فالإنظارُ تَأجيلٌ مَعَ مُراقَبة: عَلى الدّائِنِ أن يَنتَظِرَ، وعَلَيه أن يَنظُرَ في حالِ المَدينِ حَتّى يَعرِفَ مَتى تَحَسَّنَ، وليسَ إنظارًا مَفتوحًا بلا مُتابَعة. و«مَيسَرة» من (ي س ر) ضِدِّ العُسر، فالانتِظارُ يَنتَهي حينَ يَتَحَوَّلُ المَدينُ من ذي عُسرةٍ إلى ذي يَسار. وهذه الدَّورةُ اللَّفظيَّةُ (عُسرة - مَيسَرة) تَعكِسُ طَبيعةَ الحَياةِ الاقتِصاديَّة: الحالاتُ تَتَقَلَّبُ، والتَّشريعُ يَحتَرِمُ هذا التَّقَلُّب.

(ص د ق) الخِيارُ الأسمى

وقَدَّمَتِ الآيةُ الصَّدَقةَ خِيارًا يَتَجاوَزُ الإنظار، فالإنظارُ تَأجيلٌ، والتَّصَدُّقُ إسقاط، والإنظارُ يَحفَظُ حَقَّ الدّائِنِ في الاستِرداد، والتَّصَدُّقُ يَتَنازَلُ عنه. وهذا التَّرتيبُ (إنظار، ثُمَّ صَدَقةٌ أفضَل) يَبني سُلَّمًا أخلاقيًّا: الحَدُّ الأدنى الشَّرعيُّ الانتِظار، والمُستَوى الأعلى الإسقاط. وأوثِرَ فِعلُ «تَصَدَّق» على «تَعفو» و«تَترُك» قَصدًا: الإسقاطُ هُنا عَمَلٌ إيمانيٌّ يُسَمّى صَدَقة، أي يَدخُلُ في بابِ الإنفاقِ المُنتِجِ اجتِماعيًّا، لا في بابِ التَّنازُلِ السَّلبيّ.

المُقابَلةُ بَينَ الرِّبا والصَّدَقةِ الاحتِضانيَّة

والسِّياقُ يَصنَعُ مَسافةً حادَّة: المُرابي أرادَ أن يَكتَسِبَ من المَدينِ أكثَرَ من أصلِ القَرض، والآنَ يَنقَلِبُ التَّرتيب: لا يَستَطيعُ أن يَأخُذَ حَتّى الأصلَ، وإذا كانَ ذا إيمانٍ تَنازَلَ عَن الأصلِ كُلِّه، فيَنتَقِلُ دَورُه من مُمتَصٍّ إلى مانِحٍ في مَوقِفٍ واحِد. وهذا الانقِلابُ البِنيَويُّ في مَوقِعِ الدّائِنِ يَعكِسُ المَنطِقَ القُرآنيّ: المَطلوبُ تَحويلُ هُوِيَّةِ المُرابي، ولا يَقِفُ عِندَ تَعديلِ سُلوكِه.

(خ ي ر) + (ع ل م) الشَّرطُ الخَتاميّ

ولَم تَأمُرِ الآيةُ بالصَّدَقةِ صَراحة، وإنَّما وَصَفَتها بأنَّها «خَير»، و«خَير» هُنا أفضَلُ التَّفضيل، أي أنَّها أحسَنُ من الإنظار. ثُمَّ خُتِمَت بشَرطٍ غَريب: «إن كُنتُم تَعلَمون»، والتَّعَلُّمُ هُنا جَهلٌ بالقيمةِ الحَقيقيَّة، لا جَهلٌ بالحُكمِ الشَّرعيّ، وكأنَّ الآيةَ تَقولُ: لَو كُنتُم تَعرِفونَ كَم يَكبُرُ هذا الإسقاطُ في مَوازينِ الآخِرة ما تَرَدَّدتُم. وهذا الشَّرطُ دَعوةٌ مَفتوحة: يَنتَقِلُ الإيتاءُ من مَرتَبةِ الواجِبِ إلى مَرتَبةِ الإحسان، ولا يُفرَض، لأنَّ الإحسانَ لا يَكونُ إلّا اختِيارًا.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فَدَورُ «الدّائِنِ الذي يَتَنازَلُ عَن رَأسِ مالِه فَيَنقَلِبُ إلى مُتَصَدِّق» يَسبِقُ دَورَ «الدّائِنِ الذي يُصِرُّ على حَقِّه كامِلًا»، ودَورُ «الإنظارِ إلى مَيسَرةٍ يَستَتبِعُها تَصَدُّقٌ اختيارٌ» يَسبِقُ دَورَ «المُلاحَقةِ القَضائيَّةِ لمَدينٍ مُعسِر».


حَصيلة

رِفقٌ بَعدَ إنذار: الشَّرطُ «إن كانَ ذو عُسرةٍ» (ع-س-ر) يُحَوِّلُ الدّائِنَ مِن طَرَفٍ يَستَعِدُّ لِلحَربِ إلى طَرَفٍ يَتَأَمَّلُ واقِعَ مَدينِه، و«نَظِرةٌ» (ن-ظ-ر) تَأجيلٌ مَعَ مُراقَبة، وليست إهمالًا: عَلى الدّائِنِ أن يَنتَظِرَ وأن يَرصُدَ مَتى تَحَسَّنَ الحال. والدَّورةُ اللَّفظيَّةُ بَليغة: عُسرةٌ تَنقَلِبُ إلى «مَيسَرةٍ» (ي-س-ر)، وهُما ضِدّانِ يَعكِسانِ طَبيعةَ الحَياةِ الاقتِصاديَّةِ المُتَقَلِّبة. ثُمَّ يَجيءُ السُّلَّمُ الأخلاقيّ: الإنظارُ حَدٌّ أدنى شَرعيّ، والتَّصَدُّقُ (ص-د-ق) بِالدَّينِ كُلِّه مُستَوًى أعلى، والدَّينُ الذي كانَ مَصدَرَ حَربٍ في 279 يَنقَلِبُ إلى صَدَقةٍ في 280، وهو أقصى تَحَوُّلٍ بِنيَويٍّ في مَوضِعِ الدّائِن. ويَختِمُ بـإِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، والجَهلُ المَقصودُ هُنا جَهلٌ بِالقيمةِ الحَقيقيَّةِ لِلصَّدَقة، لا بِالحُكم، ومَن يَعلَمُ ما تَفعَلُه الصَّدَقةُ لِصاحِبِها لا يَتَرَدَّدُ في إسقاطِ الدَّين.