البقرة · الآية 37

﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

«فَتَلَقَّىٰ» من (ل ق ي): المُبادَرةُ من الرَّبِّ لا من العَبد

«تَلَقّى» صِيغةُ مُطاوَعةٍ من (ل ق ي): استَقبَلَ ما جاءَه لا ما صَنَعَه. فالفِعلُ يَقَعُ على آدمَ ولا يَصدُرُ عنه. والآيةُ لم تَذكُرْ سَبَباً من آدمَ أوجَبَ به هذا العَطاء، بل افتَتحَت بالفاءِ بعدَ الهُبوطِ مُباشَرةً: هُبوطٌ ثمَّ تَلَقٍّ. وهذا نَسَقٌ يَتكرَّرُ في سائرِ السورة: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾، تَوبةُ الرَّبِّ تَسبِقُ تَوبةَ العَبد، ورُجوعُه إليهِ يُولِّدُ رُجوعَ العَبدِ إليه. الكَلِمةُ سَبَقَت الخَطوة، والعَطاءُ سَبَقَ الاكتِساب.

ثمَّ إنَّ السِّياقَ يَختارُ اسمَ «الرَّبّ» دونَ اسمِ الجَلالة: «مِن رَبِّه» لا «مِنَ الله». والرُّبوبيّةُ تَجَلٍّ بالتَّربيةِ والعَطاءِ والمَنعِ والتَّرغيبِ والتَّرهيب، وهي الدَّرَجةُ التي تَلتَقي عندَها طُفولةُ البَشَريّةِ المَعنَويّة. فالعَبدُ في طَورِ النُّزولِ الأوَّلِ يُعامَلُ بالرُّبوبيّةِ قَبلَ الأُلوهيّة: يَدُ المُرَبّي قَبلَ هَيبةِ المُطلَق، والمَعرِفةُ بالإمدادِ قَبلَ المَعرِفةِ بالذّات.

«كَلِمَاتٍ» من (ك ل م): قَولٌ يَترُكُ أَثَراً كالجُرح

«الكَلِمة» من الجذرِ نفسِه الذي يُعطي «الكَلْم» = الجُرح: قَولٌ يَترُكُ أَثَراً يَبقى. فلَم يَتَلَقَّ آدمُ تَعويذةً تُقالُ فتَمحي ما مَضى، بل تَلَقّى تَعليماً ثَقيلاً نَفَذَ فيه فأَصلَحَ ما انكَسَر. وقد عُلِّمَ قَبلَ ذلك الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، ثمَّ الآنَ كَلِمَاتٍ﴾: من الحَرفِ إلى التَّركيب، ومن المُفرَدِ إلى الجُملة. تَدَرُّجٌ في التَّعليمِ يُناسِبُ تَدَرُّجَ الحال: في الجنّةِ عُلِّمَ الأسماءَ لِيُحاجَّ بها المَلائكة، وفي الأرضِ عُلِّمَ الكَلِماتِ لِيَنطِقَ بها رُجوعَه.

والقُرآنُ لم يُحَدِّدْ هذه الكَلِمات، وفي فَتحِ التَّعيينِ رَحمة: قد تَكونُ كَلِمةَ الاستِغفار، وقد تَكونَ كَلِمةَ التَّوحيد، وقد تَكونَ أَسماءَ اللهِ الحُسنى، وقد تَكونَ ذاتَ الآية إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ تَعلَّمَها آدمُ فصارَت هي رُجوعَه، فَتَفسيرُ الآيةِ بالآيةِ أَحسَنُ ما قيل. المُهِمُّ أنَّها كَلِماتٌ جُمِعَت بصيغةِ الجَمع، تَعليمٌ على مَراحِلَ لا دَرساً واحِداً: دَرسٌ في مَوضِعِ الزَّلّة، ودَرسٌ في تَجاوُزِ الخَوفِ البَشَريّ، ودَرسٌ في صيغةِ النَّدَم. لا يَكفي لِقيامِ الإنسانِ بعدَ العَثرةِ كَلِمةٌ واحِدة.

«فَتَابَ عَلَيْهِ» من (ت و ب): الرُّجوعُ حَرَكةٌ مُتبادَلة

«تابَ» في الجذرِ (ت و ب) = الرُّجوع. والتَّوبةُ في لِسانِ القُرآنِ ليسَت اعتِذارَ العَبدِ وَحدَه، بل رُجوعٌ من الجِهَتَين: العَبدُ يَرجِعُ إلى رَبِّه، والرَّبُّ يَرجِعُ إلى عَبدِه. و«على» في فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ تُثَبِّتُ الحَرَكةَ الإلهيّة: الرَّبُّ هو الذي رَجَعَ أوَّلاً. فالآيةُ لم تَقُل «فَتابَ آدمُ» بل «فَتابَ عليه»، والفِعلُ من جِهةِ الرَّبّ، وآدمُ هو المُنتَفِعُ بالرُّجوع. وتَرتيبُ السِّياقِ يُؤَكِّدُ ذلك: تَلَقٍّ، فتَوبةٌ من الرَّبّ، ولم يَقُل القُرآنُ إنَّ آدمَ عَمِلَ ما استَحَقَّ به هذا الرُّجوع. فَسَبْقُ الرَّبِّ قاعِدةٌ لا استِثناء.

ومِن هنا لا مَعنى للطَّردِ والإبعاد. الهُبوطُ لم يَكُن قَطيعةً بل انتِقالاً من ظَرفِيّةٍ إلى ظَرفِيّة، تَغَيَّرَت فيها المُعطَياتُ ولَم يَنقَطِع العَطاء. وما جاءَ في الآيةِ من تَلقٍّ وتَوبةٍ يَنسِفُ فِكرةَ الخَطيئةِ الأصليّةِ من جُذورِها: ما جَرى لآدمَ لم يَكُن جُرماً يُوَرَّث، بل تَجرِبةً أولى عَلَّمَته كيفَ يَرجِع، وعَلَّمَت ذُرِّيَّتَه أنَّ بابَ العَودةِ مَفتوح.

«التَّوَّابُ الرَّحِيمُ»: صيغةُ المُبالَغة، وجذرُ الرَّحِم

الآيةُ تُغلَقُ باسمَين. «التَّوّاب» على صيغةِ المُبالَغة من (ت و ب) = كَثيرُ الرُّجوع. ليس رُجوعاً لِمَرّةٍ واحِدة، بل دَأبٌ مُستمِرّ: كُلَّما رَجَعَ العَبدُ رَجَعَ الرَّبّ، ولو تَكَرَّرَ العَبدُ في الزَّلّة. و«الرَّحيم» من (ر ح م)، وهو الجذرُ الذي يُعطي «الرَّحِم»: احتِضانٌ يَحمي ما بدَأَ يَتَشكَّل، ويَضُمُّ ما كانَ ضَعيفاً لا يَقدِرُ على مُواجَهةِ الخارِج. فالاسمانِ مَعاً يَصِفانِ عَلاقةً لا تَنقَطِع: رَبٌّ يَرجِعُ إلى عَبدِه كُلَّما رَجَعَ، ويَحتَضِنُه احتِضانَ الرَّحِمِ لِمَن فيها.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «التَّوبة» في القُرآنِ ليسَت حالةً نَفسيّةً عندَ العَبد، ولا طَقساً يُؤَدِّيه، بل عَلاقةٌ ذاتُ جِهَتَين يَبدَأُ طَرَفُها الإلهيُّ أوَّلاً، فَيَتَعَلَّمُها العَبدُ ليُؤَدِّيَ دَورَه فيها.


حَصيلة

القِصَّةُ لَم تَنتَهِ على الانزِياح. جاءَ الفاءُ الفَوريُّ: فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾، الفِعلُ يَقَعُ على آدمَ ولا يَصدُرُ عنه، صيغةُ تَلَقٍّ تَستَقبِلُ ما جاءَ من جذرِ ل-ق-ي: الرَّبُّ هو الذي ابتَدَأ، والعَبدُ هو المُنتَفِع. والآيةُ لَم تَذكُرْ شَيئاً فَعَلَه آدمُ لِيَستَحِقَّ هذا العَطاء. والكَلِماتُ من جذرِ ك-ل-م قَولٌ يَترُكُ أَثَراً كالجُرحِ الذي يَبقى نَدبُه: لَيسَ تَعويذةً تَمحو بَل تَعليمٌ ثَقيلٌ يُصلِحُ ما انكَسَر، وجُمِعَت بصيغةِ الجَمعِ لأنَّ الإقامةَ بَعدَ العَثرةِ لا تَكفيها كَلِمةٌ واحِدة. ثمَّ جاءَ «فَتابَ عليه» بِحَرفِ «على» الدَّالِّ على أنَّ الفِعلَ من جِهةِ الرَّبِّ لا من جِهةِ آدم، ورُجوعُ الرَّبِّ أَوَّلٌ، ورُجوعُ العَبدِ ما يَتَوَلَّدُ عنه. والاسمانِ الخاتِمانِ «التَّوّابُ الرَّحيم» يَصِفانِ هذا النَّسَقَ بِصيغتَي مُبالَغة: رُجوعٌ مُتَكَرِّرٌ لا يَنقَطِعُ كُلَّما رَجَعَ العَبد، واحتِضانٌ من جذرِ ر-ح-م جذرِ الرَّحِمِ يَضُمُّ ما لَم يَستَطِعِ الوُقوفَ وَحدَه. وهذه الآيةُ تَنسِفُ قِراءةَ الخَطيئةِ الأصليّةِ المُتَوارَثةِ: ما جَرى لِآدمَ لَيسَ جُرماً يُوَرَّث، بَل تَجرِبةٌ أُولى عَلَّمَته كَيفَ يَتَلَقَّى الرُّجوعَ وعَلَّمَت ذُرِّيَّتَه أنَّ بابَ العَودةِ مَفتوحٌ قَبلَ أن يَطرُقَه أَحَد.