البقرة · الآية 86

﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

«اشْتَرَوُا» (ش ر ي): التِّجارةُ كَإطارٍ لِتَشريحِ الفِعل

الجَذرُ (ش ر ي) في العَرَبِيّةِ يَحمِلُ في بُنيَتِه التَّبادُلَ في الاتِّجاهَين: البَيعَ والشِّراء، فـ«شَرى» يُستَعمَلُ لِلبَيعِ ولِلشِّراء، لأنَّ كُلَّ صَفقةٍ في حَقيقَتِها فِعلانِ مُتَلاصِقان: بَذلٌ من جِهةٍ وأخذٌ من جِهة. وفي استِعمالِ القُرآنِ لِـاشْتَرَوُا هُنا تَشخيصٌ دَقيقٌ لِفِعلِهِم، فهو عَقدٌ وَقَّعوه بِإرادَتِهِم، لا تَصَرُّفٌ ساذِج، وهُم يَدرونَ ما أعطَوا وما أخَذوا. وهذا شَأنُ مَن يَعرِفُ قيمةَ السِّلعَتَين، ولا يَكونُ في المُغَفَّل، والآيةُ بِاختِيارِها لِهذا الجَذرِ تُسَمّي الفِعلَ بِاسمِه: مُبادَلةٌ مَدروسة.

«الْحَيَاةَ الدُّنْيَا» (ح ي ي) + (د ن و): القَريبُ بِذاتِه، لا المَذموم بِذاتِه

والجَذرُ (د ن و) يَدُلُّ على القُرب، و«الدُّنيا» صيغةُ تَفضيلٍ تَعني «القُربى»، أي الأقرَبُ في الزَّمان، فالحَياةُ الدُّنيا هي الحَياةُ القَريبةُ المَلموسةُ الآن، بِلا حُكمِ ذَمٍّ مَركوزٍ في الاسمِ نَفسِه. والقُرآنُ يَذُمُّ إيثارَها على ما هو أبقى، ولا يَذُمُّها لِكَونِها قَريبة. ولِذلك تُستَخرَجُ من هذه الآيةِ قاعِدةُ مُوازَنة، ولا تَكفي لاستِخراجِ مَوقِفٍ زُهدِيٍّ مُطلَق: القَريبُ إذا اشتُرِيَ بِبَذلِ الأبعَدِ المُنتَظَر، فَقَدَ القَريبُ قيمَتَه.

«بِالْآخِرَةِ» (أ خ ر): المُتَأَخِّرُ في الحُضورِ لا المَعدومُ في الوُجود

والجَذرُ (أ خ ر) يَدُلُّ على ما يَأتي بَعد، و«الآخِرة» المُتَأخِّرةُ في الحُضور. والقُرآنُ يَتَحَدَّثُ عنِ الآخِرةِ بِوَصفِها فَضاءً مُتَأخِّرَ الحُضورِ قائِماً بِذاتِه، ولا يَصِفُها شَيئاً مَعدوماً ثُمَّ يَبدَأُ بِوُجودٍ جَديد. ولِهذا كانَ بَذلُها في عَقدٍ مِثلِ هذا جُرماً مُضاعَفاً، لأنَّه فُضِّلَ عَلَيها القَريبُ الظّاهِر، زِيادةً على أنَّها مَفقودةٌ في حِسابِهِم. وقيمةُ الصَّفقةِ تَتَحَدَّدُ بِالذي يُبذَلُ ثَمَناً، لا بِالذي يُؤخَذُ سِلعة.

«فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ» (خ ف ف): الثِّقَلُ المُتَراكِمُ بِالفِعل

والجَذرُ (خ ف ف) يَدُلُّ على رَفعِ الثِّقَل، و«التَّخفيف» إنقاصُ الوَزنِ الواقِع. ونَفيُ التَّخفيفِ عَنهُم مَعناه أنَّ الثِّقَلَ الذي يَحمِلونَه ثَمَرةُ صَفقَتِهِم، وليسَ مَعناه أنَّهُم يُظلَمونَ بِعُقوبةٍ تَزيدُ على فِعلِهِم. والمَنطِقُ بَسيط: مَن بَذَلَ الأبعَدَ ثَمَناً لِلأقرَب، لا يَرجِعُ إلَيه الأبعَدُ حينَ تَنتَهي قيمةُ الأقرَب. فالثِّقَلُ الذي يَلحَقُهُم وَزنُ العَقدِ الذي وَقَّعوه، لا عُقوبةٌ تُرادُ لِذاتِها.

«وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ» (ن ص ر): المَسؤوليّةُ الكامِلةُ عَن الاختِيار

والجَذرُ (ن ص ر) يَدُلُّ على الإعانةِ في وَقتِ الضّيقِ من طَرَفٍ خارِجِيّ. ونَفيُ النَّصرِ عَنهُم تَعبيرٌ دَقيقٌ عن بُنيةِ الصَّفقة، وليسَ تَرشيداً لِلرَّحمةِ الإلَهِيّة: العَقدُ الذي أجراه الإنسانُ بِوَعيِه لا يَدخُلُ مُنقِذٌ من الخارِجِ لِيَنقُضَه، ولَو دَخَلَ لَكانَ الإلغاءُ ظُلماً لِلعَقلِ الذي اختار. ولِذلك يَضَعُ القُرآنُ الحَقيقةَ في صَدرِ الآية، وهي أنَّ هَؤُلاءِ أجرَوا عَقداً، وأنَّ العَقدَ يَعمَلُ عَمَلَه.

فالشِّراءُ مُبادَلةٌ مَدروسة، والدُّنيا قَريبةٌ لا مَذمومةٌ لِذاتِها، والآخِرةُ مُتَأخِّرةٌ في الحُضورِ قائِمةٌ بِذاتِها، والثِّقَلُ نَتيجةُ العَقدِ لا عُقوبةٌ طارِئة، والنَّصرُ لا يَأتي من خارِجٍ لِيَفُكَّ صَفقةً وَقَّعَها العَبدُ بِإرادَتِه.


حَصيلة

تَضَعُ الآيةُ مَشهَدَ الآياتِ السّابِقةِ (القَتلُ والإخراجُ والإيمانُ بِبَعضِ الكِتاب) تَحتَ عَدَسةِ التِّجارة. وش-ر-ي في العَرَبِيّةِ يَحتَمِلُ البَيعَ والشِّراءَ مَعاً: صَفقةٌ مَدروسةٌ لا غَفلة. أعطَوا الآخِرةَ (أ-خ-ر: المُتَأخِّرُ في الحُضورِ القائِمُ بِذاتِه) ثَمَناً، وأخَذوا الحَياةَ الدُّنيا (د-ن-و: الأقرَبُ زَمَناً لا المَذمومُ لِذاتِه) سِلعة. والدُّنيا في اسمِها وَصفٌ هو «القَريبة»، وليسَ فيه ذَمٌّ مَركوز، وإنَّما يَقَعُ الخَطَأُ حينَ يُفَضَّلُ الأقرَبُ على الأبقى. والجَزاءُ شَرحٌ لِلعَقدِ لا عُقوبةٌ طارِئة: «لا يُخَفَّفُ» من خ-ف-ف (لا يُرفَعُ الثِّقَلُ عَنهُم) لأنَّ الثِّقَلَ ثَمَرةُ الصَّفقةِ التي أجرَوها، و«لا يُنصَرون» من ن-ص-ر (لا يَجيءُ عَونٌ خارِجِيٌّ في وَقتِ الضّيق) لأنَّ العَقدَ الذي أجراه الإنسانُ بِإرادَتِه لا يَدخُلُ مُنقِذٌ من خارِجٍ لِيَنقُضَه. والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح: الدُّنيا قَريبةٌ لا مَذمومة، والآخِرةُ مُتَأخِّرةٌ لا مَعدومة، والصَّفقةُ بَينَهُما واعِيةٌ وثَمَنُها مَعروف.