آل عمران · الآية 22

﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ

«أُولَٰئِكَ الَّذِينَ»: إشارةٌ تَجمَعُ السِّلسِلة

يَفتَحُ اسمُ الإشارةِ مَسافةً ويَجمعُ أصحابَ الأفعالِ السابقةِ في مَشهَدٍ واحد: تغطيةِ الآيات، وقَتلِ حَمَلةِ النَّبأ، وقَتلِ الآمِرينَ بالقِسط. ثُمَّ يَأتي الموصولُ «الذين» ليَربِطَ الإشارةَ بالحُكمِ الجَديد. والحُكمُ مَبنيٌّ على السِّلسِلةِ التي سَمَّاها النص، وليسَ على نَسبٍ مُضمَر.

«حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ»: فِعلٌ يَنتَفِخُ ثمَّ يَهبِطُ أَثَرُه

والحُبوطُ من ح-ب-ط، ومَعناه احتواءٌ حَيٌّ يَتَّصِلُ ويَتمَسَّكُ ثمَّ يَنبَسِطُ بثِقَلٍ حتى يَسقُطَ مَفعولُه، فهو امتلاءٌ ظاهِرٌ خالٍ في داخِلِه من قُدرةِ البَقاء، يَنتهي إلى البُطلان. وجاءَ الفِعلُ ماضياً، فنَتيجةُ الأعمالِ قد تَحَقَّقَت في بِنْيتِها قبلَ أن يُرى اكتمالُها.

والأعمالُ من ع-م-ل، وهو ظُهورٌ من عُمقٍ يَتَجَمَّعُ ثمَّ يَمتَدُّ مُتَعَلِّقاً بالعالَم. والعَمَلُ ما يَخرُجُ من الباطِنِ فيَتَشَكَّلُ أَثَراً، ولا يَنحَصِرُ في حَرَكةِ الجَسَد. وإذا حَبِطَ بَقِيَ وقوعُه التاريخيّ، وسَقَطَ وَزنُه الذي كانَ يَطلُبُه صاحِبُه.

«فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»: سُقوطٌ لا يَجِدُ زَمَناً يَحتَمي به

والدُّنيا من د-ن-و، وهي الحياةُ الأقربُ المَوصولةُ بالحِسّ. والآخِرةُ من أ-خ-ر، وهو حَدٌّ مُؤَكَّدٌ يَفتَحُ ما وراءَ القُربِ ويَجري إليه. وعَطفُ الآخِرةِ على الدُّنيا يَستَوعِبُ زَمَنَي النَّظر، فلا يَستَطيعُ العَمَلُ الحابِطُ أن يَدَّعي نَجاحاً قريباً يُنقِذُه من المَآل، ولا مَآلاً بَعيداً يُعوِّضُ فَسادَ القُرب.

فالحُبوطُ إذاً انكِشافُ أنَّ الفِعلَ الذي قَطَعَ العَلامةَ والمِيزانَ لا يَملِكُ في داخِلِه ما يَحمِلُه في أيِّ مَدى، وليسَ تَأجيلاً للقِيمةِ إلى زَمَنٍ آخَر.

«وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ»: لا قُوَّةَ تَحمِلُ ما أَسقَطَ نَفسَه

والنَّصرُ من ن-ص-ر، وهو انبِعاثٌ يَتَّصِلُ بصَلابةٍ ثمَّ يَجري مُتَكَرِّراً حولَ مَن يَبلُغُه. والناصِرُ اسمُ فاعِل، يَدُلُّ على طبيعةٍ عامِلةٍ مُستَمِرّةٍ في الإسناد، غَيرَ أنَّ «ما» و«مِن» تَستَغرِقانِ النَّفي، فلا ناصِرَ واحداً ولا جِنسَ ناصِرين، وما بَطُلَت قُوَّتُه من داخِلِه لا تُقيمُه كَثرةُ الأيدي من خارِج.


حَصيلة

تَجمعُ «أولئك» الأفعالَ السابقةَ ثمَّ تُظهِرُ نَتيجتَها في العَمَلِ ذاتِه، فقد حَبِطَ، أي امتلأَ في الظاهِرِ ثمَّ سَقَطَ وَزنُه. ويَمتَدُّ السُّقوطُ في الدُّنيا والآخِرة، فلا يَجِدُ العَمَلُ زمناً يُعيدُ إليه قِيمةً لم يَحمِلْها. ثمَّ يُنفى الناصِرُ، لأنَّ المَشكلةَ فَراغُ الفِعلِ من مَعنىً يَقومُ به، وليست قِلَّةَ القُوّةِ الخارجيّة.