آل عمران · الآية 84

﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ

«قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ»: الأمرُ المُفرَدُ يَفتَحُ قولاً جَمعيّاً

يَأتي «قل» أمراً لمخاطَبٍ مفرد، لكنّ المقولَ يَبدأُ بـ«آمنا» فيَحملُ صوتَ الجمع. القولُ من ق-و-ل معنىً يَنعقدُ في العمقِ ثمّ يمتدُّ متعلّقاً بما يُقال حتى يَخرجَ خطاباً. أمّا أ-م-ن هنا فتَتحرّكُ من تهيّؤٍ باطنٍ إلى ثقةٍ مشتركةٍ يُعلنُها الجمع، وتَصلُها الباءُ بالله قبلَ أن تتّسعَ الواواتُ لما أُنزلَ وأُوتي. هكذا يَفتحُ الأمرُ الفرديُّ إقراراً جماعياً ذا مصدرٍ واحد.

«وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ ...»: تَكرارُ النُّزولِ يَصِلُ المُتَلَقّين

تَعطِفُ الواوُ «ما أُنزل علينا»، ثمّ تُعيدُ التَّركيبَ «وما أُنزل على» قبلَ أسماءِ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباط. النُّزولُ من ن-ز-ل احتِواءٌ باطِنٌ يَجري نافِذاً ثمّ يَمتَدُّ مُتَعَلِّقاً بمَحلِّ الوُصول. والبناءُ للمجهولِ يُبقي الفِعلَ بارِزاً من غيرِ تَكرارِ الفاعِل، بينما «على» تَضبِطُ مَحالَّ التَّلقّي. وتَكرارُ التَّركيبِ «وما أُنزل على» قبلَ كلِّ اسمٍ يَجعَلُ الجامِعَ بينَهم فِعلَ الإنزالِ نفسَه، فيَنعَطِفُ المُتَلَقّونَ جَميعاً داخلَ إيمانٍ واحِدٍ بمَصدَرٍ واحِد.

«وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ»: الإيتاءُ يُعادُ إلى مَصدَرِه

تَنتقلُ الصيغةُ من «أُنزل» إلى «أُوتي»، وتَذكرُ موسى وعيسى والنبيين. في أ-ت-ي يَكتملُ العطاءُ حينَ يبلغُ متلقّيه، ولذلك يَبرزُ المذكورونَ هنا جهةَ وصولٍ لما صدرَ عن ربّهم. ويأتي «من ربهم» في الختامِ فيَجمعُ اختلافَ المتلقّينَ عندَ منبعٍ واحد. تغيّرُ الفعلِ يُنوّعُ صورةَ الوصول، أمّا الجارُّ والمجرورُ فيَحفظُ وحدةَ المصدر.

«لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ»: القَبولُ لا يُقَطَّعُ بينَ الأسماء

بعدَ العَطفِ المُتَتابِع تأتي جُملةٌ فِعليّةٌ تَشرَحُ أَثَرَ هذا الإيمان: «لا نفرق». الفَرقُ من ف-ر-ق انفِتاحٌ يُبعِدُ ويَجري مُستَرسِلاً ثمّ يَعقِدُ الأطرافَ في جهاتٍ مُتَمَيِّزة. وصيغةُ التَّفعيلِ تَحمِلُ شِحنةً مُلازِمةً ومُتَكَرِّرةً في إحداثِ الفَصل، لكنَّ «لا» تَنفي هذا العَمَل. «بين أحد منهم» تُدخِلُ الواحدَ في عُمومِ النَّفي، فلا يُنتَزَعُ اسمٌ من السِّلسلةِ ليُجعَلَ الإيمانُ به سِلاحاً على الآخَرين. لا يَنفي النصُّ اختلافَ الأسماء؛ يَنفي تَفريقَ القَبولِ بينهم.

«وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ»: كَثرةُ الأسماءِ تَستَقِرُّ في تَسليمٍ واحِد

تَختمُ الواوُ بجملةٍ اسميّةٍ تُثبتُ حالَ القائلين. ويُقدَّمُ «له» على «مسلمون» فتَسبقُ الوجهةُ الوصفَ. في س-ل-م يَجري الاتصالُ إلى جهةٍ ثمّ يَلتئمُ بعدما كان قابلاً للتشظّي؛ لذلك يَعرضُ «مسلمون» جماعةً تستمرُّ في جمعِ وجهتها له. والضميرُ يَعودُ إلى اللهِ الذي افتتحَ به الإيمانُ وإلى ربّهم الذي صدرَ عنه الإيتاء، فتَستقرُّ كثرةُ الأسماءِ داخلَ تسليمٍ واحد.


حَصيلة

يَبدأُ المَقولُ بثِقةٍ بالله، ثمّ تَتَّسِعُ الواواتُ لِما أُنزِلَ على القائلينَ وعلى الأسماءِ المذكورة، ولِما أُوتي موسى وعيسى والنبيونَ من ربِّهم. وإنّما تُبنى وَحدةُ القَبولِ في الآيةِ من شَيئَينِ في لَفظِها: تَكرارِ العَطفِ الذي يَصِلُ الأسماءَ بعضَها ببعض، ووَحدةِ المَصدَرِ الذي نَزَلَ منه ما نَزَلَ عليهم جَميعاً. ثمّ تَنفي التَّفريقَ بينَ أحدٍ منهم، وتَختمُ بحالٍ اسميّةٍ مُستَمِرّة: «له مسلمون». فالكَثرةُ في المُتَلَقّين لا تُنتِجُ كَثرةً في الوِجهة، والاختلافُ في الأسماءِ لا يُبيحُ تَجزِئةَ الإيمان.