آل عمران · الآية 89

﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

«إِلَّا الَّذِينَ»: الاستِثناءُ يَفتَحُ مَخرَجاً داخلَ الحُكم

تَبدأُ الآيةُ بـ«إلا» من غيرِ فَصلٍ عن مَشهدِ اللَّعنةِ والخُلودِ ونَفيِ التَّخفيفِ والإنظار، فالاستِثناءُ يَعمَلُ داخلَ ذلك السِّياق، ويُخرِجُ منه مَن يَحمِلونَ الوَصفَينِ التاليَين. و«الذين» اسمٌ مَوصولٌ جَمعيّ، فالمَخرَجُ مَربوطٌ بصِلةٍ من الفِعل، دونَ اسمِ فِئةٍ موروثة. و«إلا» تُثبِتُ أنَّ الحُكمَ الشَّديدَ لا يُغلِقُ بابَ التَّحوُّلِ على مَن يَقومُ بالرُّجوعِ والإصلاحِ اللذَينِ سَمّاهما النص، وليسَ فيها مَحوٌ لِما سَبَقَ ولا تَهوينٌ له.

«تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ»: الرُّجوعُ يَقَعُ بعدَ المَشهدِ كلِّه

والتوبةُ من ت-و-ب، ومدارُها على إمساكٍ ضَعيفٍ يُفلِتُ مَساراً كانَ صاحِبُه يُمسِكُه، ثمّ رُجوعٍ يَمتَدُّ بِه إلى ما تَرَكَه، فهي رجوعٌ يَقطعُ الاستمرارَ الأول. ويَضبطُ «من بعد ذلك» موقعَها بعدَ كفرٍ تالٍ للإيمانِ وشهادةٍ وبيّناتٍ وعاقبة، وبذلك يَضعُ اسمُ الإشارةِ ثقلَ الماضي كلَّه قبلَ حركةِ الرجوعِ من بعده.

«وَأَصْلَحُوا»: الرُّجوعُ يُصدِّقُه عَمَلُ الإصلاح

ثمّ يَمتدُّ الاستثناءُ من «تابوا» إلى «وأصلحوا». والصلاحُ من ص-ل-ح إمساكٌ صلبٌ يتعلّقُ بوظيفته ثمّ يحتوي الخللَ من داخله ويُخرجه إلى استقامة، وصيغةُ الإفعالِ تُدخلُ الفاعلَ في إحداثِ هذا الأثر. وجاءَ الفعلانِ ماضيينِ جمعيين، فيَثبتُ الوصفُ على مَن أنجزَ الرجوعَ وأتبعه بإصلاحٍ يُظهرُ صدقَ الاتجاهِ الجديد.

«فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»: الجَوابُ يَنتَقِلُ من فِعلِهم إلى صِفَتَين

والفاءُ تَربِطُ الاستِثناءَ وتَوبتَهم وإصلاحَهم بتَوكيدِ «إنّ الله». والغُفرانُ من غ-ف-ر غَورٌ مَستورٌ بكَثافةٍ يَنفتِحُ في مَجرىً ضَيِّق ثمّ يَمتَدُّ مُستَرسِلاً في السَّتر، و«غفور» صِيغةُ مُبالَغةٍ تَجعَلُ الغُفرانَ صِفةً راسِخةً واسعةَ الفِعل. والرَّحمةُ من ر-ح-م جَريانٌ مُستَرسِلٌ يَدخُلُ احتِواءً باطِناً ثمّ يَجتَمِعُ حولَ مَن يَبلُغُه، و«رحيم» صِفةٌ مُشَبَّهةٌ تُثبِتُ الرَّحمةَ على الدَّوام. فجاءَ الجَوابُ بصِفَتَينِ قائمَتَينِ في الفاعِلِ نَفسِه، فتُنقَلُ الوِجهةُ كُلُّها إلى غُفرانٍ ورَحمة، لا إلى تَخفيفٍ في الحُكمِ السابِق.


حَصيلة

تَفتَحُ «إلا» مَخرَجاً حقيقيّاً داخلَ الحُكمِ السابق، غيرَ أنّها تَربِطُه بفِعلَينِ لا باسمٍ مُجرَّد: تابوا وأصلحوا. والتَّوبةُ رُجوعٌ يَقَعُ «من بعد ذلك»، فلا يُنكَرُ ثِقَلُ ما سَبَق، والإصلاحُ عَمَلٌ يَتلو الرُّجوعَ ويَجعَلُ له أَثَراً. ثمّ تَأتي الفاءُ بـ«إنّ» وتَنقُلُ الجَوابَ إلى صِفَتَي الله: غفورٌ رحيم. وعلى هذا تُواجِهُ الآيةُ العاقبةَ بتحوُّلٍ مُنجَزٍ وإصلاحٍ، ثمّ بغُفرانٍ ورَحمةٍ ثابتَين، دونَ التَّمنّي.