الإسراء · الآية 102

﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا

«قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ»: جَوابٌ يَبدَأُ بِإثباتِ العِلمِ لِلخَصم

«قال» بِلا فاعِلٍ مَذكور، والفاعِلُ يُرَدُّ إلى المُنادى في الآيةِ قَبلَها، فالمَقولُ لَه هُناكَ هو القائِلُ هُنا.

ثُمَّ لامٌ و«قَد» والفِعلُ ماضٍ، وهي الأدَواتُ التي افتُتِحَت بِها الآيةُ التي قَبلَها، فهو تَوكيدٌ يُجابُ بِتَوكيدٍ على وَزنِه.

والمُثبَتُ بِهذا التَّوكيدِ هو العِلم، وقد جاءَ «لَقَد عَلِمتَ» مَكانَ «ما عَلِمتَ» و«أنتَ لا تَدري»، فالعِلمُ مُثبَتٌ لِلمُخاطَبِ لا مَنفِيٌّ عنه.

وأصلُ ع-ل-م عَلامةٌ تَبرُزُ فتُميِّزُ الشَّيءَ ثُمَّ تَلزَمُ مَن أخَذَها، فالعِلمُ إمساكُ الفارِق، ولا يَقِفُ عِندَ حُضورِ الخَبَر. والجَوابُ يَقولُ إنَّ الفارِقَ قد أُخِذَ وإنَّه لازِمٌ لِآخِذِه، فالتُّهمةُ أنَّه عَرَف، وليسَت أنَّه لم يَعرِف.

«مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»: حَصرٌ يُسَمّي المُنزِلَ ويُشيرُ إلى المُنزَل

و«ما» نافِيَةٌ و«إلّا» استِثناء، وهو حَصر، أي أداةٌ تُفرِغُ الجِهاتِ كُلَّها ثُمَّ تُبقي واحِدة.

وعُدِلَ في المَفعولِ عن «ما أنزَلَ التِّسعَ» وعن «ما أنزَلَ الآياتِ» إلى «هؤلاء»، وهو اسمُ إشارةٍ لِحاضِرٍ مَشهود، فالذي أُثبِتَ لَه العِلمُ بِها لا تُعَدُّ لَه، يُشارُ إلَيها وهو يَراها.

وهذا وَجهٌ ثانٍ لِما جَرى في الآيةِ قَبلَها، فهُناكَ عَدَدٌ بِلا تَسمِيَة، وهُنا إشارةٌ بِلا تَسمِيَة، فمَرَّتَينِ يُذكَرُ الشَّيءُ ولا يُفَصَّل.

ومَدارُ ن-ز-ل على انبِعاثٍ مُكتَنِزٍ يَنفُذُ ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِمَحَلٍّ ويَمتَدُّ فيه، فهو وُصولٌ مُرَكَّزٌ إلى مَوضِعٍ بِعَينِه، غَيرُ سُقوطٍ عارِض. والفِعلُ يَنفي أن تَكونَ ظَهَرَت من نَفسِها، ويُثبِتُ لَها مُرسِلاً ومَوضِعاً.

ثُمَّ يُسَمّى المُنزِلُ بِما يُنسَبُ إلَيه لا بِاسمٍ مُفرَد: «رَبُّ السَّماواتِ والأرض»، فيُذكَرُ مَدَيانِ مَعاً، أعلاهُما وأسفَلُهُما، والذي يَملِكُ الطَّرَفَينِ لا يُنازَعُ فيما بَينَهُما.

«بَصَائِرَ»: حالٌ تَقولُ ما تَفعَلُه بِالنّاظِر

و«بَصائِرَ» مَنصوبٌ حالاً من «هؤلاء»، فهو هَيئةٌ نَزَلَت عَلَيها، وليسَ خَبَراً عنها ولا وَصفاً يُلحَقُ بِها بَعدَ نُزولِها.

ومادّةُ ب-ص-ر إمساكٌ صَلبٌ مُتَواصِلٌ بِالمَرئيِّ يَربِطُ العَينَ بِما أمامَها، و«بَصيرة» ما يُبصَرُ بِه لا ما يُبصَر، فالكَلِمةُ تَجعَلُ الآياتِ آلةَ رُؤيةٍ لا مادّةَ رُؤية.

وقد سَبَقَ في الآيةِ قَبلَها وَصفٌ آخَرُ لَها هو «بَيِّنات»، وذاكَ يَقولُ ما تَفعَلُه في نَفسِها، وهذا يَقولُ ما تَفعَلُه بِمَن رَآها، فالأوَّلُ يَلتَفِتُ إلى الشَّيء، والثّاني يَلتَفِتُ إلى العَين.

ومَن أُعطِيَ ما يُبصَرُ بِه ثُمَّ لم يُبصِرْ فالخَلَلُ في غَيرِ الآلة.

«وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا»: جُملةٌ تُعادُ ويُبَدَّلُ فيها اسمان

والجُملَتانِ إذا وُضِعَت إحداهُما فَوقَ الأُخرى ظَهَرَ أنَّ البِناءَ واحِد: «إنّي» ثُمَّ لامٌ ثُمَّ «أظُنُّكَ» ثُمَّ نِداءٌ بِاسمٍ ثُمَّ اسمُ مَفعولٍ على وَزنِ مَفعول، ولا يَتَغَيَّرُ فيه إلّا الواوُ في أوَّلِه والاسمُ المُنادى والكَلِمةُ الأخيرة.

ومَوضِعُ الدَّقّةِ أنَّ الجَوابَ لا يَرفَعُ نَفسَه إلى دَرَجةٍ أعلى في الأداة، فقد أثبَتَ العِلمَ لِلمُخاطَبِ في صَدرِه، ثُمَّ أبقى لِنَفسِه الظَّنَّ في عَجُزِه، فـ«لَقَد عَلِمتَ» لَه، و«لَأَظُنُّكَ» لِلقائِل.

ومَدارُ ظ-ن-ن على حُكمٍ يَستَقِرُّ في الباطِنِ تَحتَ غِطاءٍ غَليظٍ ويَرِنُّ فيه رَنيناً لَطيفاً، وما حَكَمَ عَلَيه مَحجوبٌ عن العِيان، فما وُزِنَ بِمِثلِه رُدَّ بِمِثلِه، والذي يُقالُ عن مَآلِ رَجُلٍ يَبقى تَحتَ غِطائِه، والذي يُقالُ عن عِلمِه يُثبَتُ بِلامٍ و«قَد».

ثُمَّ «مَثبوراً»، وأصلُ ث-ب-ر تَبَدُّدٌ دَقيقٌ يَنفَتِحُ فيَخرُجُ ثُمَّ يَجري مُسترسِلاً فلا يُمسَك، فالمَثبورُ هو المُتَفَرِّقُ الذي لا يُلَمُّ شَملُه، لا المَحبوسُ ولا المَأخوذ.

وفي آخِرِ الكَلِمَتَينِ مُقابَلة، فـ«مَسحوراً» تَنتَهي بِراءٍ لَمسَتُها ماسِكة، وهي أخذٌ خَفيفٌ لا يُفلِت، و«مَثبوراً» تَنتَهي بِراءٍ جَريانُها مُسترسِل، وهي انفِراطٌ لا يُمسَك، فالحَرفُ واحِدٌ في آخِرِ الاسمَين، ووَجهُه هُناكَ قَبضٌ وهُنا انطِلاق: رَجُلٌ مَأخوذٌ في قَول، ورَجُلٌ مُتَبَدِّدٌ في قَول، وكِلاهُما اسمُ مَفعولٍ لا فاعِلَ فيه.


حَصيلة

«قال» بِلا فاعِلٍ مَذكور، ثُمَّ لامٌ و«قَد» كما في مَطلَعِ الآيةِ قَبلَها، فهو تَوكيدٌ يُجابُ بِتَوكيد. والمُثبَتُ بِه عِلمُ المُخاطَبِ لا جَهلُه، وع-ل-م إمساكُ الفارِقِ الذي يَلزَمُ آخِذَه. ثُمَّ «ما... إلّا» حَصرٌ يُفرِغُ الجِهاتِ ويُبقي واحِدة، والمَفعولُ اسمُ إشارةٍ لا اسمُ عَدَد، وهو «هؤلاء»، فيُشارُ إلَيها ولا تُفَصَّل كما عُدَّت ولم تُسَمَّ. ون-ز-ل وُصولٌ مُكتَنِزٌ يَتَعَلَّقُ بِمَحَلِّه، والمُنزِلُ يُسَمّى بِمَدَيَينِ لا بِاسمٍ مُفرَد. ثُمَّ «بَصائِرَ» حالٌ من ب-ص-ر، وهي ما يُبصَرُ بِه لا ما يُبصَر، فهي آلةُ رُؤيةٍ سُلِّمَت إلى عَين. ثُمَّ تُعادُ جُملةُ التُّهمةِ بِبِنائِها كُلِّه ولا يُبَدَّلُ فيها إلّا المُنادى والكَلِمةُ الأخيرة، فالعِلمُ يُثبَتُ لِلمُخاطَب، والظَّنُّ يُبقى لِلقائِل. وث-ب-ر تَبَدُّدٌ يَجري فلا يُمسَك، في مُقابَلةِ س-ح-ر أخذٍ دَقيقٍ يُمسِكُ فلا يُفلِت، فالرّاءُ تَقبِضُ هُناكَ وتُطلِقُ هُنا، واسمُ المَفعولِ واحِدٌ في المَوضِعَين.