الإسراء · الآية 81

﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا

«وَقُلْ»: قَولانِ مُتَجاوِرانِ في جِهَتَينِ

ابتَدَأَتِ الآيةُ قَبلَها بِالحَرفِ نَفسِه: وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾، فهو أمرٌ بِقَولٍ ثُمَّ أمرٌ بِقَول.

والجِهةُ تَختَلِف، فالأوَّلُ نِداءٌ يَصعَد، مَبدوءٌ بِـ«رَبِّ» ومَبنِيٌّ على الطَّلَب، والثّاني خَبَرٌ يَنزِلُ على السّامِعين، لَيسَ فيه طَلَبٌ ولا نِداء، والمَأمورُ بِالقَولِ واحِدٌ، والمَقولُ لَه اثنان.

والثّاني لا يُصَدَّرُ بِـ«إنَّ» ولا بِقَسَم، فهو جُملَتانِ فِعلِيَّتانِ عارِيَتانِ من أدَواتِ التَّوكيد، يُلقى فيهِما الخَبَرُ كَما يُلقى ما وَقَعَ فعلاً، لا كَما تُلقى الدَّعوى.

«جَاءَ الْحَقُّ»: مَجيءٌ قَطَعَ مَسافَتَه ووَقَف

و«جَاءَ» ماضٍ، وأوثِرَ على «سَيَجيء» و«يَجيء»، والحَدَثُ مُنتَهٍ قَبلَ أن يُؤمَرَ بِالإخبارِ عنه، فالقائِلُ يُبَلِّغُ ما تَمَّ لا ما يُنتَظَر.

و«جَاءَ» من ج-ي-أ، وأصلُه مُجتَمِعٌ يَسيرُ حتّى يَنبَثِقَ في مَوضِعٍ لم يَكُن فيه، فالمَجيءُ قَطعُ مَسافةٍ يَنتَهي بِوُقوف، وهو شَيءٌ لم يَكُن في المَوضِعِ فسارَ ووَصَل، ولا يَقِفُ عِندَ الظُّهور، ولَيسَ حُلولاً بِلا طَريق.

و«الْحَقُّ» مُعَرَّفٌ بِـ«ال»، لم يُوصَفْ ولم يُقَيَّد. والجَذرُ ح-ق-ق يَلتَئِمُ في العُمقِ ثُمَّ تُضاعِفُه القافُ الثّانيةُ اشتِداداً، فيَكونُ ما لا يَنفَكُّ عن مَوضِعِه، وهذا يُقابِلُ المَجيءَ مُقابَلةً غَريبة: الجائي هو الثّابِت.

«وَزَهَقَ الْبَاطِلُ»: خُروجٌ يُخلي المَوضِع

ثُمَّ ماضٍ ثانٍ بِإزاءِ الأوَّل، بَينَهُما واوٌ عاطِفةٌ لا غَير، فلا «فَـ» ولا «لِـ» ولا «حَتّى»، والآيةُ تَضَعُ الحَدَثَينِ جَنباً إلى جَنبٍ ولا تُصَرِّحُ بِرابِطٍ بَينَهُما، ومَن قَرَأَ فيهِما سَبَبِيّةً فقد قَرَأَ حَرفاً لم يُكتَب.

و«زَهَقَ» من ز-ه-ق، وأصلُه ما اكتَنَزَ في مَضيقٍ ثُمَّ خَفَتَ حَتّى خَلا مَوضِعُه، والقافُ تَقطَعُ الخُروجَ دَفعةً، فالزُّهوقُ خُروجُ ما كانَ يَملَأُ حَتّى يَبقى الحَيِّزُ فارِغاً، ولَيسَ كَسراً ولا دَفعاً من خارِج. وفي كَلامِ العَرَبِ «زَهَقَت نَفسُه» لِلنَّفَسِ يَخرُجُ فيَخلو الصَّدر، و«زَهَقَ السَّهمُ» إذا جاوَزَ الهَدَفَ فلم يُصِبْ شَيئاً.

وأصلُ ب-ط-ل في «الْبَاطِلُ» تَمَسُّكٌ بِسَطحٍ يَنبَسِطُ ثَقيلاً ثُمَّ تَمُدُّه اللّامُ بِلا جَذرٍ يَنفُذُ إلى عُمق، فالباطِلُ مَملوءٌ بِالمِساحةِ فارِغٌ من العُمق، وما كانَ هذا بِناؤُه لم يَحتَجْ إلى خَصمٍ يَهدِمُه، ويَكفيه أن يَحضُرَ ما لَه عُمقٌ فيَظهَرَ أنَّه سَطح.

«إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا»: الحَدَثُ يَصيرُ صِفةً لازِمة

وهُنا يُصَدَّرُ الكَلامُ بِـ«إنَّ»، والجُملةُ الثّالِثةُ غَيرُ مُكَرِّرةٍ لِلثّانية، فتِلكَ فِعلٌ وَقَع، وهذه خَبَرٌ عن طَبع.

و«زَهُوقًا» على فَعُول، وهي صيغةٌ تَدُلُّ على أنَّ «هذا شَأنُه»، دونَ «فَعَلَ مَرّةً»، و«كَانَ» تَرُدُّ الوَصفَ إلى ما قَبلَ الحَدَث، فالمَجيءُ أظهَرَ ما كانَه الباطِلُ ولم يَجعَلْه زَهوقاً، والحَدَثُ في الجُملةِ الثّانيةِ صارَ في الثّالِثةِ صِفةً كانَت قائِمةً قَبلَ أن تُرى.

وهذه الصّيغةُ نَفسُها تَجري في السّورةِ على الإنسان: وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ ووَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا﴾ ووَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا﴾، «كانَ» ثُمَّ فَعُولٌ يُثَبِّتُ طَبعاً، وهُنا وَحدَها تَقَعُ الصّيغةُ على مَعنىً دونَ ذي نَفس، ويُوصَفُ الباطِلُ بِما يُوصَفُ بِه صاحِبُ الخُلُق.

وفي أسماءِ الآيةِ كُلِّها يَرِدُ «الْحَقُّ» مَرَّةً، و«الْبَاطِلَ» مَرَّتَين، والمَذكورُ أكثَرَ هو الذّاهِب.


حَصيلة

أمرٌ بِقَولٍ يَتلو أمراً بِقَول، والأوَّلُ صاعِدٌ بِالطَّلَبِ والثّاني نازِلٌ بِالخَبَر. ثُمَّ ماضِيانِ بَينَهُما واوٌ لا غَير: «جَاءَ» قَطعُ مَسافةٍ يَنتَهي بِوُقوف، و«زَهَقَ» خُروجٌ يَخلو بِه المَوضِع. والجائي هو الذي يَلتَئِمُ في العُمقِ ولا يَنفَكّ، والخارِجُ هو الذي انبَسَطَ على السَّطحِ بِلا جَذر، فما بَينَهُما ظُهورُ عُمقٍ عِندَ سَطح، لا صِراعُ قُوَّتَين. ثُمَّ تَأتي الثّالِثةُ فتُحَوِّلُ الحَدَثَ إلى طَبعٍ في «كَانَ زَهُوقًا»، و«كانَ» تَضَعُ الوَصفَ قَبلَ المَجيء، فالمَجيءُ كَشَفَ الزُّهوقَ ولم يُحدِثْه، والسّورةُ التي تَقولُ «كانَ» ثُمَّ فَعُولاً عن الإنسانِ في مَواضِعَ تَقولُها هُنا عن مَعنىً لا عن أحَد. ويُذكَرُ الحَقُّ مَرَّةً ويُذكَرُ الباطِلُ مَرَّتَين، وهذا وَحدَه يَكفي: ما يَثبُتُ يُقالُ مَرَّةً، وما يَخلو يَحتاجُ إلى تَسمِيَتِه فاعِلاً ثُمَّ تَسمِيَتِه طَبعاً.