الإسراء · الآية 98

﴿ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا

«ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُم»: إشارةٌ إلى بَعيدٍ وجُملةٌ بِلا فِعل

«ذَٰلِكَ» إشارةٌ إلى البَعيد، وقد أُشيرَ بِها إلى ما قَبلَها بَعدَ أن تَمَّ، فصارَ المُشارُ إلَيه كُتلةً واحِدةً تُقابَلُ ولا تُفَصَّل، ولَو قيلَ «هذا» لَكانَ الأمرُ ما زالَ بَينَ اليَدَين.

ثُمَّ جاءَتِ الجُملةُ اسمِيّةً لا فِعلَ فيها، مُبتَدَأً وخَبَراً مُضافاً إلى ضَميرِهِم، وعُدِلَ فيها عن «جُوزوا» و«سنَجزيهِم» إلى تَقريرِ أنَّ ذلك هو جَزاؤُهُم، فهي نِسبةٌ ثابِتةٌ، لا حَدَثٌ يَقَعُ في وَقت.

وأصلُ ج-ز-ي تَكَتُّلٌ يَنفُذُ فيه حَدٌّ جارٍ فيَفصِلُ قِطعةً بِقَدرِ قِطعة، ومِنه «جَزى عنه» إذا قامَ مَقامَه فوَفّى ما عَلَيه. فالجَزاءُ في حُروفِه مُقابَلةٌ بِمِقدار، لا زِيادةٌ تُلقى ولا انتِقامٌ يُفتَعَل، وإضافَتُه إلَيهِم تَجعَلُه حِصَّتَهُمُ التي فُصِلَت لَهُم.

«بِأَنَّهُمْ»: باءُ السَّبَبِ تَفتَحُ عِلّةً واحِدةً بِشِقَّين

والباءُ هُنا لِلسَّبَب، دَخَلَت على «أَنَّ» فصارَ ما بَعدَها مَصدَراً مُؤَوَّلاً في مَوضِعِ العِلّة، فالجَزاءُ مُعَلَّقٌ بِعِلّةٍ مُصَرَّحٍ بِها، ولم يُترَكْ مُرسَلاً.

ثُمَّ عُطِفَ فِعلٌ على فِعلٍ داخِلَ العِلّةِ الواحِدة، «كَفَرُوا» و«قَالُوا»، فهُما اثنانِ لا واحِد، ولا فَرقَ بَينَهُما في الرُّتبةِ ولا في الحُكم، ومَن جَعَلَ القَولَ في صَفِّ الفِعلِ فقَد جَعَلَ اللِّسانَ عامِلاً كَسائِرِ العامِلين.

«كَفَرُوا بِآيَاتِنَا»: تَغطيةٌ تُلاصِقُ المُغَطّى

ومَدارُ ك-ف-ر على كَتمٍ يُبعِدُ ما دونَه ثُمَّ يَلزَمُ المَستورَ فلا يَنزَلِق، والتَّغطيةُ في حُروفِه تَحجُبُ المَستورَ عن النَّظَرِ ويَبقى تَحتَها، وهي غَيرُ مُعدِمةٍ لَه.

والباءُ في «بِآيَاتِنَا» باءُ مُلابَسة، لا باءُ إخبار، وعُدِلَ بِها عن «كَفَروا عن آياتِنا»، فالمَستورُ مُلاصِقٌ لِلسّاتِرِ غَيرُ بَعيدٍ عنه، ومَن غَطّى شَيئاً فقَد مَسَّه أوَّلاً.

و«آيَاتِنَا» جَمعٌ مُضافٌ إلى ضَميرِ المُتَكَلِّم، والآيةُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه، والذي تَزيدُه هذه الجُملةُ إضافَتُها إلى قائِلِ الآيةِ نَفسِه، فالمُغَطّى مَنسوبٌ إلى مَن يُقَرِّرُ الجَزاء.

«وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا …»: الجُملةُ نَفسُها تَعودُ حُجّةً عَلَيهِم

ومَحَلُّ النَّظَرِ في الآيةِ أنَّ الجُملةَ التي بَعدَ «وَقَالُوا» قد وَقَعَت في هذه السّورةِ قَبلَ الآن، حَرفاً بِحَرفٍ لا يَنقُصُ مِنها ولا يَزيد: وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾، وقد قُرِئَت هُناكَ في مَوضِعِها، فلا تُفَكَّكُ ألفاظُها هُنا ثانِية.

والذي تَغَيَّرَ مَوقِعُها دونَ لَفظِها، فقد كانَت هُناكَ مَقالةً تُحكى ويُوقَفُ عِندَ حَدِّ نَقلِها، وهي هُنا داخِلةٌ تَحتَ «بِأَنَّهُمْ»، فصارَت عِلّةً في تَعليلِ الجَزاء، وما خَرَجَ من أفواهِهِم هو نَفسُه ما أُقيمَ عَلَيهِم.

ورُدَّ القَولُ بِتَمامِه كما قيل، فلَم يُلَخَّصْ ولم يُوصَفْ ولم يُعبَّرْ عنه بِـ«بِما أنكَروا البَعث»، والحُجّةُ حينَ تَكونُ بِلَفظِ صاحِبِها لا يَبقى فيها ما يُنازَعُ عَلَيه.


حَصيلة

إشارةٌ إلى بَعيدٍ تَجمَعُ ما مَضى كُتلةً واحِدة، وجُملةٌ اسمِيّةٌ تُقَرِّرُ نِسبةً ولا تُخبِرُ عن حَدَثٍ في وَقت. والجَزاءُ في حُروفِه قَطعٌ بِمِقدارٍ يُقابِلُ مِقداراً، وهو مُضافٌ إلَيهِم فهو حِصَّتُهُم. ثُمَّ باءٌ لِلسَّبَبِ تَفتَحُ عِلّةً واحِدةً فيها فِعلانِ مَعطوفانِ لا فِعلٌ واحِد: تَغطيةٌ تُلاصِقُ ما غَطَّت فلا تُعدِمُه، وقَولٌ يوضَعُ في صَفِّ الفِعل. ثُمَّ يَأتي القَولُ فإذا هو الجُملةُ التي سَبَقَت في هذه السّورةِ بِعَينِها، لم تُختَصَرْ ولم تُوصَفْ ولم تُغَيَّرْ مِنها كَلِمة، وقد كانَت مَقالةً تُنقَلُ فصارَت عِلّةً تُعَلَّل، وهي سُؤالٌ سَألوه مَرّةً ثُمَّ رُدَّ إلَيهِم بِلَفظِه دونَ شَرحِه.