الإسراء · الآية 97

﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ ۖ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ ۖ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا

«فَهُوَ الْمُهْتَدِ»: اسمٌ مُعَرَّفٌ في جَوابِ الشَّرط

الهِدايةُ والضَّلالُ مَفهومانِ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيهِما. والذي تَزيدُه هذه الآيةُ هو شَكلُ الجَوابَين.

لم يَقُلْ «فقَدِ اهتَدى». قيلَ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾: جُملةٌ اسمِيّةٌ خَبَرُها مَعرِفةٌ بِالألِفِ واللّام. والتَّعريفُ في الخَبَرِ يَحصُرُ الجِنسَ في المُبتَدَأ، فلا يُقالُ إنَّه اهتَدى وحَسبُ، بَل إنَّ الاسمَ كُلَّه لَه.

وانظُرْ إلى الصّيغة. الهَديُ أُسنِدَ إلى اللهِ صَريحاً، ثُمَّ سُمِّيَ الرَّجُلُ بِصيغةِ افتَعَل، وهي صيغةٌ تَرُدُّ الفِعلَ إلى فاعِلِه. فالفِعلُ مَنسوبٌ هُناكَ والاسمُ مَنسوبٌ هُنا، ولا تُدفَعُ إحدى النِّسبَتَينِ بِالأُخرى. اللَّفظُ يَحمِلُهُما مَعاً ولا يُرَجِّح.

«وَمَن يُضْلِلْ»: الجَوابُ الثّاني لا يُسَمّي أحَداً

الشَّرطُ الثّاني مِثلُ الأوَّلِ في مَبناه، وجَوابُه على غَيرِ مِثالِه. هُناكَ اسمٌ يُعطى، وهُنا نَفيٌ يُعلَن: فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ﴾. الأوَّلُ يَقولُ ما يَصيرُه، والثّاني يَقولُ ما لا يُوجَدُ لَه.

ثُمَّ يَدخُلُ مُخاطَبٌ لم يَكُنْ في الجُملةِ قَبل: «تَجِدَ» فِعلٌ لِمُفرَدٍ مُخاطَب. فالنَّفيُ لم يُوَجَّهْ إلَيهِم بَل إلى مَن يَطلُبُ لَهُم. ومَن نُفِيَ عنه أن يَجِدَ فقَد أُغلِقَ بابُ البَحثِ قَبلَ أن يُفتَح.

و«أَوْلِيَاءَ» جَمعٌ مُنَكَّرٌ دَخَلَ عَلَيه «لَنْ»، فالنَّفيُ يَستَغرِقُ الجِنسَ كُلَّه: لا واحِدَ ولا جَماعة. والوَلايةُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه. و«مِن دُونِهِ» تَستَثني جِهةً واحِدةً بِالضَّمير، فما نُفِيَ نُفِيَ عمّا سِواها لا عنها.

وفي الجَوابِ الثّاني يَنتَقِلُ العَدَد. «مَن» مُفرَدٌ في الشَّرطَين، فعادَ عَلَيها في الأوَّلِ ضَميرُ مُفرَدٍ «هُوَ»، وعادَ عَلَيها في الثّاني ضَميرُ جَماعةٍ «لَهُمْ». ثُمَّ لا يَرجِعُ الإفرادُ إلى آخِرِ الآية. الهُدى يَبقى واحِداً في لَفظِه، والضَّلالُ يُجمَعُ فيَمضي مَجموعاً.

«وَنَحْشُرُهُمْ … عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ»: حَرفُ الاستِعلاءِ كما وَرَد

الحَشرُ مَفهومٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إليه، والوَجهُ كَذلك. والذي يُقرَأُ هُنا حَرفٌ واحِد: «عَلَىٰ».

لم يُقَلْ «إلى وُجوهِهِم» ولا «بِوُجوهِهِم». قيلَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ﴾، وهي للاستِعلاء: الوَجهُ صارَ ما يُحمَلُ عَلَيه. والوَجهُ في سائِرِ حالِه هو ما يُقابَلُ بِه ويُعرَفُ صاحِبُه مِنه؛ ولا يُزادُ على هذا شَيءٌ لم تَقُلْه الآية.

و«نَحْشُرُهُمْ» مُضارِعٌ بِنونِ الجَماعة. الفِعلُ مَنسوبٌ صَريحاً، والمَحشورونَ مَفعولٌ مُتَّصِلٌ بِه. ولَيسَ في اللَّفظِ وَقتٌ إلّا ما سُمِّيَ: «يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، ظَرفٌ لا يُوصَفُ في الآيةِ ولا يُشرَح.

«عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا»: ثَلاثةُ أحوالٍ في نَسَقٍ واحِد

ثَلاثُ كَلِماتٍ مَنصوباتٍ مُنَكَّراتٍ مَجموعاتٍ، عُطِفَت كُلُّ واحِدةٍ على أُختِها بِالواو. وهي أحوالٌ من ضَميرِ «نَحْشُرُهُمْ»: لا تَقولُ ما يَصيرونَ إليه بَعدَ الحَشر، بَل تَقولُ الهَيئةَ التي يُحشَرونَ عَلَيها.

والعَمى والبَكَمُ والصَّمَمُ مَفاهيمُ قائِمةٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيها، ولا تُفَكَّكُ جُذورُها هُنا. والذي يَخُصُّ هذا المَوضِعَ أنَّ الثَّلاثةَ اجتَمَعَت في جُملةٍ واحِدةٍ صيَغاً صَريحةً مَجموعة، لا واحِدةً تُذكَرُ ويُقاسُ عَلَيها الباقي.

وانظُرْ إلى التَّرتيب. بُدِئَ بِما يُبصَرُ بِه، ثُمَّ بِما يُنطَقُ بِه، ثُمَّ بِما يُسمَعُ بِه. مَنافِذُ ثَلاثةٌ في الوَجهِ الذي حُمِلوا عَلَيه، تُذكَرُ مَسدودةً بَعدَ أن ذُكِرَ الوَجهُ مَوضوعاً على الأرض. والآيةُ تَضَعُ الهَيئةَ ولا تُعَلِّلُها.

«مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ»: جُملةٌ بِلا فِعل

لا فِعلَ في هذه الجُملة. مُبتَدَأٌ مُضافٌ إلى ضَميرِهِم، وخَبَرٌ عَلَمٌ سَمّاهُ اللَّفظ. لا سَوقٌ ولا إدخالٌ ولا إلقاء: نِسبةٌ تُقَرَّرُ فقَط.

و«مَأوى» على وَزنِ مَفعَل، اسمُ مَكان. والجَذرُ أ-و-ي ضَمٌّ يُحيطُ بِالمَضمومِ ويَدومُ عَلَيه؛ ومنه «آوى» ضَمَّ إليه فحاطَه. فاللَّفظُ الذي يُسَمّى بِه المَلجَأُ هو اللَّفظُ المَوضوعُ هُنا، وأُضيفَ إلَيهِم فصارَ مَأواهُم هُم.

والاسمُ الذي جاءَ خَبَراً سَمَّتْه الآيةُ ولم تَصِفْه. فيُقالُ كما قالَت، ويُوقَفُ حَيثُ وَقَفَت.

«كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا»: خُمودٌ لا يَبلُغُ الانطِفاء

«كُلَّمَا» ظَرفٌ يُفيدُ التَّكرار: كُلَّما وَقَعَ الأوَّلُ وَقَعَ الثّاني، بِلا عَدَدٍ يَحُدُّه. فالجُملةُ لَيسَت خَبَراً عن مَرّةٍ بَل عن قاعِدةٍ تَجري.

و«خَبَتْ» من خ-ب-و: نُقصانٌ يَنطَوي على نَفسِه ويَحتَبِسُ ولا يَنعَدِم. يُقالُ «خَبَتِ النّار» إذا سَكَنَ لَهَبُها وبَقِيَ ما تَحتَه، وهو غَيرُ الانطِفاءِ الذي يَذهَبُ فيه الأصل. فالمَذكورُ في الآيةِ سُكونُ الظّاهِرِ لا انقِطاعُ المادّة.

و«زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا»: الزِّيادةُ واقِعةٌ عَلَيهِم هُم، لا على النّار. ضَميرُهُم مَفعولٌ أوَّل، و«سَعِيرًا» مَفعولٌ ثانٍ مُنَكَّر. والسَّعيرُ في جَذرِه ارتِفاعٌ يَخرُجُ من الباطِنِ ثُمَّ يَمتَدُّ مُسترسِلاً. فما سَكَنَ سَكَنَ في جِهةٍ، وما زيدَ زيدَ في جِهةٍ أُخرى.


حَصيلة

شَرطانِ مُتَقابِلانِ في المَبنى مُختَلِفانِ في الجَواب: الأوَّلُ يُعطي اسماً مُعَرَّفاً فيَحصُرُ الجِنسَ في صاحِبِه، والثّاني يَنفي وُجدانَ شَيءٍ ويُوَجِّهُ النَّفيَ إلى مُخاطَبٍ يَبحَثُ لا إلى المَبحوثِ عنه. ومن هُناكَ يَنتَقِلُ العَدَدُ من الإفرادِ إلى الجَمعِ فلا يَعودُ إلى آخِرِ الآية. ثُمَّ حَشرٌ يُنسَبُ صَريحاً، وحَرفُ استِعلاءٍ يَجعَلُ الوَجهَ مَحمولاً عَلَيه، وثَلاثةُ أحوالٍ مَجموعةٍ مُنَكَّرةٍ تُذكَرُ هَيئةً لِلحَشرِ لا نَتيجةً لَه، فيُسَدُّ ما يُبصَرُ بِه وما يُنطَقُ بِه وما يُسمَعُ بِه. ثُمَّ جُملةٌ اسمِيّةٌ بِلا فِعل، ولَفظُ المَلجَإِ نَفسُه مُضافاً إلَيهِم. ثُمَّ قاعِدةٌ تَجري بِلا عَدَد: كُلَّما سَكَنَ اللَّهَبُ وبَقِيَ أصلُه زيدوا هُم لا هي. اللَّفظُ الذي يُسَمّى بِه المَأوى صارَ اسمَ ما لا يُؤوى إليه، والخُمودُ الذي يُنتَظَرُ مِنه راحةٌ صارَ مَوضِعَ الزِّيادة.