طه · الآية 115

﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا

«وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ»: حَرفٌ واحِدٌ يُبَدِّلُ جِهةَ العَهد

لامُ القَسَمِ ثُمَّ «قَد» لِلتَّحقيق، وبِهِما أُكِّدَ الخَبَرُ مَرَّتَينِ قَبلَ أن يُقال.

ثُمَّ فِعلٌ ماضٍ بِنونِ العَظَمةِ عُدِّيَ بِـ«إِلَىٰ»، وعُدِلَ بِه عن «عَهِدْنا عَلى آدَم».

و«على» في اللِّسانِ حَرفُ استِعلاءٍ يُشعِرُ بِثِقَلٍ يوضَعُ على المَعهودِ إلَيه، و«إلى» حَرفُ انتِهاءِ غاية، فالعَهدُ في الآيةِ أُنهِيَ إلَيه إنهاءً ولم يُحَمَّلْ عَلَيه تَحميلاً.

وأصلُ ع-ه-د إلقاءُ ما في الباطِنِ إلى غَيرِه ثُمَّ تَثبيتُه عِندَه، فالحَرفُ يُوافِقُ الجَذر، والمُرادُ إلقاءٌ يَنتَهي إلى مَحَلٍّ يُودَعُ فيه.

ثُمَّ لا مَفعولَ بِه في الآية، فقد ذُكِرَ مَنِ انتَهى إلَيه العَهدُ وسُكِتَ عَمّا هو، ومَن سَمّاهُ سَمّى ما سَكَتَ عنه اللَّفظ.

«مِن قَبْلُ»: ظَرفٌ يُقطَعُ عَن الإضافة

و«قَبْلُ» مَبنِيّةٌ على الضَّمِّ لِأنَّها قُطِعَت عَمّا تُضافُ إلَيه، ولم يُبَيَّنْ قَبلَ ماذا.

وهذا مَوضِعٌ يُقرَأُ ولا يُملأ، فالظَّرفُ يُثبِتُ سَبقاً ولا يُعَيِّنُ ما سَبَقَه.

«فَنَسِيَ»: ثالِثُ مَواقِفِ الجَذرِ في هذه السّورة

والفاءُ لِلتَّعقيبِ بِلا مُهلة، وقد وُصِلَ بِها النِّسيانُ بِالعَهدِ وَصلاً لا فاصِلَ فيه.

والنِّسيانُ من ن-س-ي، وهو انفِلاتٌ لَطيفٌ يَنسَلُّ من القَبضةِ ولا يُشعَرُ بِانسِلالِه، أي ذَهابُ الشَّيءِ من غَيرِ قَصدٍ إلى تَركِه.

وأوَّلُ ما وَرَدَ هذا الجَذرُ في السّورةِ وَرَدَ مَنفِيّاً عن الرَّبّ: لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾، وهو نَفيٌ سَبَقَ كُلَّ إثبات.

ثُمَّ وَقَعَ في المَشهَدِ الأوَّلِ على البَشَرِ بِلَفظِه: فَنَسِيَ﴾، وهو هُنا بِحَرفِه لا يَزيدُ ولا يَنقُص، فِعلٌ ماضٍ بَعدَ فاءِ تَعقيبٍ في مَقامٍ آخَرَ وعلى رَجُلٍ آخَر.

فالجَذرُ يُنفى أوَّلَ ما يَرِد، ثُمَّ يَقَع، والذي نُفِيَ عن الرَّبِّ هو نَفسُه الذي أُثبِتَ على المَعهودِ إلَيه.

«وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا»: النَّفيُ يَقَعُ على العُقدةِ لا على الفِعل

وعُدِلَ عن «فعَصى» وعن «فلم يُطِعْ» إلى «وَلَمْ نَجِدْ»، وهو فِعلُ لِقاءٍ، لا فِعلُ حُكم.

والوُجودُ من و-ج-د لِقاءٌ يَنعَقِدُ ويَثبُت، فالمَنفِيُّ لِقاءُ شَيءٍ ثابِتٍ في المَوضِعِ الذي يُطلَبُ فيه.

وعُدِّيَ بِاللّام: «لَهُ»، فالمَنفِيُّ مِلكُه لِهذا الشَّيءِ دونَ وُقوعِ شَيءٍ مِنه.

و«عَزْمًا» من ع-ز-م، ومَعناه عَقدٌ يَكتَنِزُ في الباطِنِ ويُمسَكُ فلا يَنحَلّ، وهو نَكِرةٌ مَنصوبةٌ بِلا وَصفٍ ولا إضافة.

والنِّسيانُ المُثبَتُ والعَزمُ المَنفِيُّ في الآيةِ يَلتَقِيانِ في صورةٍ واحِدة، فالنِّسيانُ انفِلاتٌ من قَبضة، والعَزمُ هو القَبضةُ نَفسُها، والآيةُ تُخبِرُ بِأنَّ الشَّيءَ انسَلَّ، ثُمَّ بِأنَّه لم يُلقَ فيه ما يُمسِك.

ولَو نُفِيَتِ الطّاعةُ لَكانَ الحُكمُ على الفِعل، وقد نُفِيَ العَزمُ فوَقَعَ الحُكمُ على ما قَبلَ الفِعل، والفَرقُ بَينَهُما أنَّ الأوَّلَ يوصَفُ بِه ما صَنَعَ والثّانيَ يوصَفُ بِه ما لم يَنعَقِدْ فيه.


حَصيلة

خَبَرٌ مُؤَكَّدٌ مَرَّتَينِ قَبلَ أن يُقال، ثُمَّ فِعلٌ بِنونِ العَظَمةِ عُدِّيَ بِـ«إلى» دونَ «على»، فالعَهدُ أُنهِيَ إلَيه إنهاءً ولم يُحَمَّلْ عَلَيه تَحميلاً، والحَرفُ يُوافِقُ الجَذر، إذ أصلُ ع-ه-د إلقاءُ ما في الباطِنِ إلى غَيرِه ثُمَّ تَثبيتُه عِندَه. ولا مَفعولَ بِه في الآية، فقد ذُكِرَ مَنِ انتَهى إلَيه وسُكِتَ عَمّا هو، ومَن سَمّاهُ سَمّى ما سَكَتَ عنه اللَّفظ. ثُمَّ ظَرفٌ قُطِعَ عن إضافَتِه فبُنِيَ على الضَّمّ، يُثبِتُ سَبقاً ولا يُعَيِّنُ ما سَبَقَه. ثُمَّ فاءُ تَعقيبٍ بِلا مُهلة، والنِّسيانُ من ن-س-ي انفِلاتٌ لَطيفٌ يَنسَلُّ من القَبضةِ ولا يُشعَرُ بِانسِلالِه. وأوَّلُ ما وَرَدَ هذا الجَذرُ في السّورةِ وَرَدَ مَنفِيّاً عن الرَّبِّ قَبلَ أن يَقَعَ في أحَد، ثُمَّ وَقَعَ في المَشهَدِ الأوَّلِ بِلَفظِه، وهو هُنا بِحَرفِه في مَقامٍ آخَرَ وعلى رَجُلٍ آخَر. وأمّا آخِرُ الآيةِ فلَيسَ فيه نَفيُ طاعةٍ ولا إثباتُ مَعصِيَة، وإنَّما فيه فِعلُ لِقاءٍ مَنفِيٌّ مُعَدّىً بِاللّام، والوُجودُ من و-ج-د لِقاءٌ يَنعَقِدُ ويَثبُت، فالمَنفِيُّ مِلكُه لِهذا الشَّيءِ دونَ صَنيعٍ صَنَعَه. و«عَزْمًا» من ع-ز-م عَقدٌ يَكتَنِزُ في الباطِنِ ويُمسَكُ فلا يَنحَلّ، وقد جاءَ نَكِرةً بِلا وَصفٍ ولا إضافة. والنِّسيانُ المُثبَتُ والعَزمُ المَنفِيُّ صورةٌ واحِدة، فالنِّسيانُ انفِلاتٌ من قَبضة، والعَزمُ هو القَبضة، وقد انسَلَّ الشَّيءُ ولم يُلقَ فيه ما يُمسِك.