طه · الآية 128

﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ

«أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ»: فِعلُ الهِدايةِ فاعِلُه جُملةٌ بِأسرِها

تَقَدَّمَت الفِعلَ ثَلاثةُ أحرُف: هَمزةُ استِفهامٍ، ثُمَّ فاءٌ، ثُمَّ نَفي، والسُّؤالُ يُثارُ على شَيءٍ لم يَقَعْ، لا على شَيءٍ وَقَع.

و«يَهْدِ» من ه-د-ي، وهو جَذرٌ سَبَقَ في السّورةِ في طَلَبِ رَجُلٍ عِندَ نارٍ حينَ قالَ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾، والمادّةُ نَفسُها تُوضَعُ هُنا في سُؤالِ إنكار.

وفاعِلُ الفِعلِ هو الجُملةُ التي تَليه: «كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ»، وليسَ اسماً مُفرَداً بَعدَه، فالهادي عَدَدٌ لم يُذكَرْ ما هو.

وعُدِّيَ الفِعلُ بِاللّامِ في «لَهُمْ»، وعُدِلَ عن «يَهدِهِم» بِالمَفعولِ المُباشِرِ إلى «يَهدِ لَهُم»، ومَعناه يُبَيِّنُ لَهُم ويَجعَلُ الوِجهةَ لِأجلِهِم، والهِدايةُ في الآيةِ عَرضٌ يُوضَعُ بَينَ أيديهِم، لا يَدٌ تَأخُذُ بِأيديهِم.

«كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ»: كَلِمةُ عَدَدٍ لا تَعُدّ

و«كَمْ» خَبَرِيّةٌ لِلتَّكثير، تُفيدُ «كَثيرٌ» ولا تُبَيِّنُ كَم هو، وهي أداةٌ مَوضوعةٌ لِلعَدَدِ لا تُخرِجُ عَدَداً.

ومَحَلُّ النَّظَرِ في هذا الشَّطرِ أنَّه لَو ذُكِرَ عَدَدٌ لَصارَ الخَبَرُ تاريخاً يُحَدُّ، ولَو ذُكِرَ اسمٌ لَصارَ قِصّةً تُروى، وقد خَلا من العَدَدِ والاسمِ جَميعاً.

و«أَهْلَكْنَا» من ه-ل-ك، وأصلُه شَيءٌ كانَ قائماً بِحَدِّه في مَوضِعِه يَنقَطِعُ عَنه ويَخرُجُ فيَبقى مَكانُه خالِياً، وجاءَ على وَزنِ أفعَلَ فالانقِطاعُ واقِعٌ بِفاعِلٍ من خارِج، ونونُ العَظَمةِ تَذكُرُ هذا الفاعِلَ صَريحاً.

و«الْقُرُونِ» من ق-ر-ن، وهو ضَمٌّ مُحكَمٌ يَقرِنُ الشَّيءَ بِمِثلِه فيَجريانِ مَعاً ثُمَّ يَخرُجان، فالمادّةُ تُسَمّي الاقتِرانَ ولا تُسَمّي مِقداراً من الزَّمان. و«مِنَ» تَبعيضِيّةٌ داخِلةٌ على الجَمعِ المُعَرَّف، والمُرادُ بَعضٌ من جُملةٍ لا تُحصى.

فالأداةُ لا تَعُدّ، والجَذرُ لا يُؤَقِّت، والاسمُ لا يُذكَر، وهذه ثَلاثةُ أبوابٍ لِلتَّعيينِ أُغلِقَت في نِصفِ آية.

«يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ»: حَرَكةٌ تُوضَعُ داخِلَ ما هو سُكون

وجُملةُ «يَمْشُونَ» حالٌ لا يُبَتُّ في صاحِبِها، فالواوُ فيها تَحتَمِلُ الأحياءَ يَمشُونَ في مَساكِنِ الذّاهِبين، وتَحتَمِلُ الذّاهِبينَ أنفُسَهُم كانوا يَمشُونَ في مَساكِنِهِم، والوَجهانِ مُعلَنانِ لا يُحسَمُ بَينَهُما.

والمَشيُ من م-ش-ي، وهو انتِقالٌ مُتَّصِلٌ لَيِّنٌ لا طَفرَ فيه، قَدَماً بَعدَ قَدَم، وهو أهدَأُ ما يَكونُ الانتِقال.

ومادّةُ «مَسَاكِنِهِمْ» س-ك-ن، ومَعناها ثُبوتٌ يَلزَمُ مَوضِعَه بَعدَ حَرَكةٍ انكَتَمَت، فالمادَّتانِ مُتَقابِلَتانِ في الجَذر: هذه حَرَكةٌ مُتَّصِلة، وتِلكَ حَرَكةٌ كُتِمَت.

وأمّا «فِي» فتَضَعُ الأولى داخِلَ الثّانية، فهو مَشيٌ في جَوفِ سُكون.

ولم تُبَيِّنِ الآيةُ أينَ هذه المَساكِنُ ولا كَيفَ هي ولا ما بَقِيَ مِنها، واكتَفَت بِحَرَكةٍ في مَوضِعٍ ثُمَّ مَضَت.

«إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ»: جُملةٌ تَعودُ بِحَرفِها على مُشارٍ إلَيه آخَر

هذه الجُملةُ بِتَمامِها قد قيلَت في هذه السّورةِ من قَبل، بِأحرُفِها لا بِمَعناها، وكانَ الكَلامُ قَبلَها هُناكَ في نَباتٍ يُؤكَلُ ومَواشٍ تُرعى، وهو قَبلَها هُنا في قُرونٍ أُهلِكَت ومَساكِنَ يُمشى فيها.

فهي عَلامةٌ واحِدةٌ لِمَرعىً أخضَرَ ولِبَيتٍ خالٍ، ولم تُغَيَّرْ صيغَتُها ولا صاحِبُها.

وفيها ثَلاثُ أدَواتِ تَوكيدٍ كما هي هُناك: «إنَّ»، وتَقديمُ الظَّرف، واللّامُ في «لَآيَاتٍ». و«ذَٰلِكَ» إشارةٌ مُفرَدةٌ إلى ما تَقَدَّمَ كُلِّه، و«آيَاتٍ» جَمعٌ مُنَكَّرٌ لا يُعَدُّ ولا يُعَيَّن.

و«النُّهَىٰ» من ن-ه-ي، ومَدارُه على النَّهيِ والوُقوفِ عِندَ حَدّ، ومِنه «انتَهى» إذا بَلَغَ الحَدَّ فوَقَف، و«النَّهْيُ» لِلغَديرِ يَنتَهي إلَيه الماءُ فيَحتَبِسُ فيه ولا يَمضي، فصاحِبُ النُّهيةِ مَن فيه حابِسٌ يَرُدُّه إذا اندَفَع.

وخَلَتِ المادّةُ من مَعنى الذَّكاءِ وسُرعةِ الخاطِر، وهذا يُقرَأُ هُنا بِأشَدَّ مِمّا يُقرَأُ هُناك، إذ الأثَرُ الذي يُمشى فيه يُدرِكُه مَن يَستَطيعُ أن يَقِفَ فيه، ولا تُدرِكُه حِدّةُ النَّظَر.

والمَشيُ في الآيةِ حَرَكةٌ لا تَقِف، والعَلامةُ فيها لِمَن فيه ما يُوقِفُه.


حَصيلة

تَقَدَّمَ الفِعلَ هَمزةٌ وفاءٌ ونَفي، فالسُّؤالُ عن هِدايةٍ لم تَقَعْ لا عن حَدَثٍ وَقَع. والفِعلُ من ه-د-ي، وهي المادّةُ التي طَلَبَها رَجُلٌ عِندَ نارٍ في أوَّلِ هذه السّورة، وفاعِلُه جُملةٌ بِأسرِها، وليسَ اسماً مُفرَداً؛ و«لَهُم» بِاللّامِ دونَ المَفعولِ المُباشِر، فالهِدايةُ عَرضٌ يُوضَعُ بَينَ الأيدي. ثُمَّ «كَمْ» أداةُ تَكثيرٍ لا تُخرِجُ عَدَداً، و«أهلَكنا» من ه-ل-ك، وهو انقِطاعُ الشَّيءِ عن مَوضِعِه وخُروجُه مِنه حتّى يَخلُوَ، بِفاعِلٍ من خارِج، و«القُرون» من ق-ر-ن، وهو ضَمٌّ مُحكَمٌ يَقرِنُ الشَّيءَ بِمِثلِه، فالمادّةُ تُسَمّي الاقتِرانَ دونَ مِقدارٍ من الزَّمان، و«مِنَ» تَبعيضِيّة، وقد خَلا الكَلامُ من العَدَدِ والوَقتِ والاسم. ثُمَّ حالٌ لا يُبَتُّ في صاحِبِها بَينَ الباقينَ والذّاهِبين، فِعلُها من م-ش-ي، وهو انتِقالٌ مُتَّصِلٌ لَيِّنٌ لا طَفرَ فيه، ومَحَلُّها من س-ك-ن، وهو ثُبوتٌ يَلزَمُ مَوضِعَه بَعدَ حَرَكةٍ انكَتَمَت، و«في» تَضَعُ الحَرَكةَ داخِلَ السُّكون. ثُمَّ تَعودُ جُملةٌ قيلَت في هذه السّورةِ بِحَرفِها، وكانَ قَبلَها هُناكَ مَرعىً أخضَرُ وقَبلَها هُنا مَساكِنُ خالِية، فهي عَلامةٌ واحِدةٌ لِلاثنَين. وصاحِبُها من ن-ه-ي، وهو مَن فيه حابِسٌ يَرُدُّه إذا اندَفَع، لا مَن فيه سُرعةُ خاطِر، والأثَرُ يُمشى فيه ولا يُرى، ومَن لم يَكُنْ فيه ما يُوقِفُه مَرَّ.