طه · الآية 70
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«فَأُلْقِيَ»: الفِعلُ الذي فَعَلوهُ يَقَعُ عَلَيهِم
هذا الجِذرُ هو جِذرُ المَشهَدِ كُلِّه. عَرَضوا أن يَكونوا أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ﴾، فقيلَ لَهُم بَلْ أَلْقُوا﴾، ثُمَّ أُمِرَ غَيرُهُم وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾. وفي كُلِّ ذلك هُم يُلقون.
والآنَ يُقالُ «فَأُلْقِيَ» مَبنِيّاً لِلمَجهول، وهُمُ المَفعول. صارَ الفاعِلُ مَفعولاً بِالفِعلِ الذي كانَ يَفعَلُه، ولم يُذكَرْ مَن ألقاهُم.
وفي المادَّةِ تَخَلٍّ: مَن أُلقِيَ فقد فارَقَ مَوقِفَه وخُلِّيَ بَينَه وبَينَ الأرض. فالذينَ ألقَوا حِبالَهُم وتَخَلَّوا عَنها صاروا هُم مُلقَينَ مُخَلّىً بَينَهُم وبَينَ ما وَقَعوا عَلَيه.
«السَّحَرَةُ»: يُسَمَّونَ بِصِفَتِهِم لا بِأسمائِهِم
يُذكَرونَ جَمعاً بِوَصفِهِم. لَم يُسَمَّ مِنهُم أحَد، لا هُنا ولا في شَيءٍ من هذا المَشهَد. كانوا ضَميرَ جَماعةٍ ثُمَّ صاروا وَصفَ جَماعة، ولم يَصيروا أسماء.
وهي الكَلِمةُ التي وُصِفَ بِها غَيرُهُم في قَولِهِم إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾. أطلَقوا الوَصفَ على اثنَينِ، ثُمَّ جاءَتِ الآيةُ فأطلَقَتْه عَلَيهِم.
«سُجَّدًا»: هَيئةُ الوُقوعِ لا سَبَبُه
حالٌ في مَوقِعِ الوَصفِ لِلواقِعين. وهي على وَزنِ فُعَّلٍ جَمعاً لِساجِد: هَيئةٌ لا فِعلٌ مُستَأنَف.
والجِذرُ س-ج-د انحِدارٌ مُتَّصِلٌ يَنتَهي إلى ثَباتٍ في الأرض؛ ومنه «سَجَدَتِ النَّخلةُ» مالَت فأخلَدَت إلى جِهةٍ واحِدة. فالمادَّةُ هُبوطٌ يَستَقِرُّ ولا يَرتَفِع.
ولم تَذكُرِ الآيةُ ما بَينَ الإلقاءِ والسُّجود. لا مَجلِسَ شورى ولا مُداوَلة. وَقَعوا، وهُمُ الذينَ تَنازَعوا أمرَهُم بَينَهُم قَبلَ قَليل، فوَقَعوا مَعاً.
«آمَنَّا بِرَبِّ»: الباءُ، والإضافةُ إلى غَيرِهِم
الجِذرُ أ-م-ن استِقرارٌ في حِرزٍ يَحتَوي فيَسكُنُ إلَيهِ صاحِبُه. و«آمَنَ» على أفعَلَ مُعَدّىً بِالباء: أن يُعطِيَ المُؤمِنُ نَفسَه لِما يَسكُنُ إلَيه.
فالباءُ هُنا لَيسَت زائِدة. هي التي تُوَصِّلُ السُّكونَ إلى مَحَلِّه، والمَحَلُّ مَذكورٌ صَريحاً: «رَبِّ».
والجِذرُ ر-ب-ب إمساكٌ مُلازِمٌ يُنَمّي ما أمسَك؛ ومنه «رَبَّ الصَّبِيَّ» ساسَه وأنماهُ حتّى يَستَقِلّ. وهي الكَلِمةُ التي دارَ عَلَيها السُّؤالُ في أوَّلِ هذا المَقامِ حينَ قيلَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ﴾: سُئِلَ اثنانِ عن رَبِّهِما، ويَأتي الجَوابُ الآنَ من أفواهٍ أُخرى.
ولم يَقولوا «رَبِّنا». أضافوهُ إلى رَجُلَينِ لا إلى أنفُسِهِم. فهو في هذا القَولِ رَبُّ غَيرِهِم، وسيَتَحَرَّكُ هذا الحَرفُ بَعدَ آيَتَين.
«هَارُونَ وَمُوسَىٰ»: تَرتيبٌ يُلاحَظ
قُدِّمَ هارونُ على مُوسى. وفي هذه السّورةِ يُقرَنُ الاثنانِ في مَوضِعٍ آخَرَ على غَيرِ هذا التَّرتيب: اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾، فالمُخاطَبُ أوَّلاً وأخوهُ بَعدَه.
وهذا يُلاحَظُ ولا يُبنى عَلَيهِ حُكم. وقَد تُلتَمَسُ لَه عِلّةٌ في فاصِلةِ الآيةِ التي تَجري عَلَيها السّورةُ كُلُّها، ويُقالُ ذلك احتِمالاً لا قَضاء.
وأمّا الذي تَقولُه الآيةُ فهو أنَّهُم لم يُسَمُّوا اللهَ بِاسمٍ من أسمائِه، وإنَّما عَرَّفوهُ بِرَجُلَينِ. وهذا أقصى ما يَملِكُه مَن عَرَفَ الآنَ ولم يَكُنْ يَعرِفُ قَبلَ قَليل.
حَصيلة
الجِذرُ الذي دارَ عَلَيهِ المَشهَدُ كُلُّه يَنقَلِبُ على أصحابِه: عَرَضوا أن يَكونوا أوَّلَ مَن ألقى، ثُمَّ أُمِروا بِالإلقاء، ثُمَّ أُلقوا هُم مَبنِيّاً لِلمَجهولِ بِلا فاعِلٍ يُذكَر. وفي المادَّةِ تَخَلٍّ، فالذي يُلقي يُفارِقُ ما ألقاهُ ويُخَلّي بَينَه وبَينَ ما يَقَعُ عَلَيه. ثُمَّ يُذكَرونَ بِوَصفِهِم لا بِأسمائِهِم، وهو الوَصفُ الذي أطلَقوهُ هُم على اثنَينِ قَبلَ سَبعِ آيات. و«سُجَّدًا» حالٌ لا فِعلٌ مُستَأنَف، وس-ج-د انحِدارٌ يَنتَهي إلى ثَباتٍ في الأرض، ولم يُذكَرْ ما بَينَ الوُقوعِ والهَيئة. ثُمَّ «آمَنَّا بِـ» وأ-م-ن سُكونٌ في حِرزٍ يَحتَوي، والباءُ تُوَصِّلُه إلى مَحَلِّه. والمَحَلُّ «رَبِّ» من ر-ب-ب: إمساكٌ يُنَمّي، وهي كَلِمةُ السُّؤالِ الذي سُئِلَه اثنانِ في أوَّلِ هذا المَقام. وأضافوهُ إلى رَجُلَينِ لا إلى أنفُسِهِم، وقَدَّموا هارونَ على غَيرِ التَّرتيبِ الذي جاءَ في مَوضِعٍ آخَرَ من السّورة. يُلاحَظُ ذلك ولا يُقضى فيه.