طه · الآية 69

﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ

«وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ»: أمرٌ لا يُسَمّي مَأمورَه

الفِعلُ مَعروفٌ في هذا المَشهَد. أُلقِيَ مِن قَبلُ ما أُلقي، والآنَ يُؤمَرُ بِالإلقاء. وقد جَرى الجِذرُ ل-ق-ي في هذه الآياتِ مَرّاتٍ، وفيه تَخَلٍّ: يُفارِقُ المُلقي ما ألقاه.

والمَفعولُ «ما»، مَوصولةٌ لا تُبَيِّن. لم يُقَلْ ما هو. وقد سُئِلَ في أوَّلِ هذه السّورةِ سُؤالٌ عن هذا المَوضِعِ نَفسِه: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ﴾، فالمَوضِعُ واحِدٌ واللَّفظُ المُبهَمُ واحِد.

غَيرَ أنَّ الحَرفَ تَبَدَّل. هُناكَ «بِيَمينِك» بِالباء، وهُنا «فِي يَمينِكَ» بِـ«في». والباءُ مُصاحَبة، و«في» ظَرفِيّة: شَيءٌ مَحوزٌ في قَبضةٍ مَضمومة. يُقرَأُ الحَرفُ ويُوقَفُ عِندَه.

«تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا»: جَوابٌ مَجزومٌ، ومُبهَمٌ ثانٍ

الفِعلُ مَجزومٌ في جَوابِ الأمر. فما بَعدَ الإلقاءِ مُعَلَّقٌ بِه، ولَيسَ خَبَراً مُستَأنَفاً.

والجِذرُ ل-ق-ف تَعَلُّقٌ يَشتَدُّ ثُمَّ يُبعِدُ المَأخوذَ عن مَوضِعِه: لَقِفَ الشَّيءَ تَناوَلَه بِسُرعةٍ فحازَه، وتَلَقَّفَ ما رُمِيَ إلَيهِ أخَذَه قَبلَ أن يَقَع. فالفِعلُ سُرعةُ أخذٍ لا مُصارَعةٌ ولا مُغالَبة.

و«مَا صَنَعُوا» مُبهَمٌ ثانٍ في الآيةِ نَفسِها. ما في اليَدِ لا يُسَمّى، وما في أيديهِم لا يُسَمّى. أُبهِمَ الطَّرَفانِ مَعاً فبَقِيَ في السَّمعِ فِعلانِ ولا شَيئان.

«إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ»: جَمعٌ يُرَدُّ إلى مُفرَدٍ مُنَكَّر

«إنَّما» تَحصُر. لا يَبقى لِما صَنَعوه اسمٌ آخَر.

وقَد ذُكِرَ الكَيدُ في هذا المَشهَدِ مَرَّتَينِ مُضافاً إلى أصحابِه: فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ ثُمَّ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾. جُمِعَ لِواحِدٍ ثُمَّ أُحكِمَ لِجَماعة. وهُنا يُقالُ الثّالِثةَ بِلا إضافة: «كَيْدُ سَاحِرٍ»، مُفرَدٌ مُنَكَّرٌ مُضافٌ إلى مُنَكَّر.

فالذي بَناهُ جَمعٌ يُسَمّى في آخِرِ الأمرِ صَنيعَ واحِدٍ لا يُعرَفُ اسمُه. سَقَطَتِ الإضافةُ وسَقَطَ العَدَد، وبَقِيَ جِنسٌ يُذكَرُ ولا يُشارُ إلَيه.

و«صَنَعُوا» تُعادُ في الآيةِ مَرَّتَينِ مُتَقارِبَتَين، فيُثبَتُ لَهُم فِعلُهُم مَرَّتَينِ ثُمَّ يُسَمّى.

«وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ»: حُكمٌ يُغلِقُ ما فَتَحَه حُكم

الجِذرُ ف-ل-ح شَقٌّ يَمتَدُّ فيُخرِجُ ما تَحتَه، فالفَلاحُ انفِتاحُ المُنغَلِقِ عن خَيرِه. وقد قيلَ في هذا المَشهَدِ قَبلَ خَمسِ آيات: وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ﴾. أُثبِتَ هُناكَ ونُفِيَ هُنا.

وبَينَهُما فَرقانِ يُقرَآن. الأوَّلُ ماضٍ مُقَيَّدٌ بِـ«اليَومَ»، وهذا مُضارِعٌ مَنفِيٌّ لا وَقتَ لَه. والأوَّلُ عُلِّقَ بِـ«مَن» المَوصولةِ فيَدخُلُ فيها مَن دَخَل، وهذا عُلِّقَ بِـ«السّاحِر» بِأداةِ التَّعريفِ الجِنسِيّة: لا شَخصٌ بِعَينِه بَل الصِّنفُ كُلُّه.

ثُمَّ «حَيْثُ أَتَىٰ»: ظَرفُ مَكانٍ مُبهَمٌ يَستَغرِقُ الجِهات. رُفِعَ القَيدُ الأخير، فلا يَومَ ولا مَوضِع.

و«أَتَىٰ» هو الفِعلُ الذي خُتِمَت بِه أوَّلُ آيةٍ في هذا المَشهَد: فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ﴾. جاءَ بَعدَ جَمعٍ، ويُقالُ الآنَ إنَّ المَجيءَ لا يَنفَعُ أنّى كان.

وقد فُتِحَ هذا المَشهَدُ بِحُكمٍ عامٍّ لا صاحِبَ لَه: وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَىٰ﴾، ويُغلَقُ بِحُكمٍ عامٍّ مِثلِه. وما بَينَهُما حِبالٌ وعِصِيٌّ وصُفوف.


حَصيلة

أمرٌ بِالإلقاءِ ومَفعولُه مَوصولٌ مُبهَم، ومَوضِعُه «فِي يَمِينِكَ» بِـ«في» بَعدَ أن كانَ السُّؤالُ عنه في أوَّلِ السّورةِ بِالباء: قَبضةٌ مَضمومةٌ على شَيءٍ لا يُسَمّى. ثُمَّ جَوابُ الأمرِ مَجزوماً: ل-ق-ف أخذٌ سَريعٌ يَحوزُ ويُبعِدُ عن المَوضِع، لا مُغالَبةَ فيه. ومَفعولُه مُبهَمٌ ثانٍ: «مَا صَنَعُوا»، فأُبهِمَ الطَّرَفانِ وبَقِيَ فِعلانِ بِلا شَيئَين. ثُمَّ «إِنَّمَا» تَحصُر، والكَيدُ الذي جُمِعَ لِواحِدٍ ثُمَّ أُحكِمَ لِجَماعةٍ يُسَمّى الآنَ «كَيْدُ سَاحِرٍ» مُفرَداً مُنَكَّراً: سَقَطَتِ الإضافةُ وسَقَطَ العَدَد. ثُمَّ يُنفى ما أُثبِتَ قَبلَ خَمسِ آياتٍ من جَذرِه: ف-ل-ح شَقٌّ يُخرِجُ ما تَحتَه، أُثبِتَ هُناكَ مُقَيَّداً بِيَومٍ ومُعَلَّقاً بِـ«مَن»، ونُفِيَ هُنا بِلا وَقتٍ وعلى الجِنسِ بِأل، ثُمَّ رُفِعَ المَكانُ أيضاً بِـ«حَيْثُ أَتَىٰ». فُتِحَ المَشهَدُ بِحُكمٍ عامٍّ وأُغلِقَ بِحُكمٍ عامّ، والوَقائِعُ في الوَسَط.