النبأ · الآية 20

﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا

«وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ»: أثبَتُ ما يُشارُ إليه يُمشى بِه

ثالِثُ فِعلٍ مَبنيٍّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه في ثَلاثِ آيات: يُنفَخُ، فُتِحَت، سُيِّرَت. ثَلاثةُ أحداثٍ عِظامٍ ولا فاعِلَ في اللَّفظِ لِواحِدٍ مِنها. المَشهَدُ كُلُّه يَقَعُ ولا يَظهَرُ فيه إلّا ما يَقَعُ عليه.

والجَبَلُ في ج-ب-ل كُتلةٌ مُجتَمِعةٌ مُلتَصِقةٌ تَمتَدُّ في الأرض. مَعناه في حُروفِه ثَباتٌ بِالتِصاق: ما تَجَمَّعَ ثُمَّ لَزِمَ مَوضِعَه. ومنه «الجِبِلّة» لِلطَّبعِ الذي جُمِعَ عليه الخَلقُ فلَزِمَه. فالجَبَلُ في اللِّسانِ مَثَلُ ما لا يَبرَح.

ثُمَّ يَقَعُ عليه «سُيِّرَت». والسَّيرُ في س-ي-ر مُضِيٌّ مُتَّصِلٌ مُستَرسِلٌ في مَجرى، والتَّضعيفُ في «فُعِّلَت» يُكَثِّرُ الفِعلَ ويُطيلُه. وهي مَبنيّةٌ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه: الجِبالُ مُسَيَّرةٌ لا سائِرة. ما كانَ يُوصَفُ بِاللُّزومِ يُمشى بِه، والذي يُمشي بِه غَيرُ مُسَمًّى.

«فَكَانَتْ سَرَابًا»: من كُتلةٍ تُرى إلى رُؤيةٍ بِلا كُتلة

ثُمَّ الفاءُ لا تُمهِل. سارَت فكانَت. والخَبَرُ «سَراباً».

و«السَّراب» من س-ر-ب: جَريانٌ في مَسلَكٍ يَنفَتِحُ عنه إلى العَراء. ومنه «السَّرَب» المَسلَكُ في الأرض، و«سَرَبَ الماءُ» جَرى، و«سارِبٌ» ماضٍ في مَذهَبِه. والسَّرابُ ما يَجري لِلعَينِ جَرَيانَ الماءِ ولا ماءَ فيه. فالاسمُ يُسَمّي الجَرَيانَ المَرئيَّ لا الجِسمَ المَوجود.

وهنا يَتِمُّ الانقِلاب. الجَبَلُ كُتلةٌ تُرى وهي مَوجودة، والسَّرابُ جَريانٌ يُرى وهو غَيرُ مَوجود. الأوَّلُ ثابِتٌ في نَفسِه ثابِتٌ في العَين، والثاني ماضٍ في العَينِ لا شَيءَ تَحتَه. فما بَينَ الحالَينِ لَيسَ نَقصاً في الحَجم، بل نَقلٌ من جِهةِ الوُجودِ إلى جِهةِ المَنظَر.

وقد قيلَ في الآيةِ قَبلَها «فَكَانَتْ أَبْوَابًا»، وقيلَ هنا «فَكَانَتْ سَرَابًا». الصيغةُ واحِدةٌ والوِجهَتانِ مُتَقابِلَتان: حاجِزٌ يَصيرُ عُبوراً، وقائِمٌ يَصيرُ مَرأىً. ما كانَ يَحجُبُ فُتِح، وما كانَ يَثبُتُ زال. وأمّا العَينُ التي كانَت تَستَدِلُّ بِهِما فقد بَقِيَ لها أن تَرى ولَيسَ لها أن تَستَنِد.


حَصيلة

ثالِثُ فِعلٍ لا فاعِلَ له في اللَّفظِ بَعدَ «يُنفَخُ» و«فُتِحَتِ»: «سُيِّرَتِ»، والسَّيرُ في س-ي-ر مُضِيٌّ مُتَّصِلٌ مُستَرسِلٌ في مَجرى، والتَّضعيفُ يُكَثِّرُه ويُطيلُه، والبِناءُ يَجعَلُ الجِبالَ مُسَيَّرةً لا سائِرة. و«الجَبَل» في ج-ب-ل كُتلةٌ مُجتَمِعةٌ مُلتَصِقةٌ تَمتَدُّ في الأرض، أي ما يُضرَبُ بِه المَثَلُ في اللُّزوم. ثُمَّ «فَكَانَتْ سَرَابًا»، و«السَّراب» في س-ر-ب جَريانٌ في مَسلَكٍ يَنفَتِحُ إلى العَراء، ما يَجري لِلعَينِ جَرَيانَ الماءِ ولا ماءَ فيه. فالانقِلابُ لَيسَ في الحَجمِ بل في الجِهة: من كُتلةٍ تُرى لِأنَّها مَوجودة، إلى جَرَيانٍ يُرى ولا شَيءَ تَحتَه. وهي الصيغةُ نَفسُها التي قيلَت لِلسَّماءِ قَبلَ سَطر: حاجِزٌ يَصيرُ عُبوراً، وثابِتٌ يَصيرُ مَنظَراً.