النازعات · الآية 35

﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَىٰ

«يَوْمَ»: ظَرفٌ يُعَرَّفُ بِفِعلٍ واحِدٍ يَقَعُ فيه

«يَومَ» مَنصوبٌ مُعَلَّقٌ بِما قَبلَه: فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىٰ﴾. فالآيةُ لا تَبتَدِئُ خَبَراً جَديداً، بَل تُتِمُّ التَّوقيتَ الذي فُتِحَ قَبلَها.

والجِذرُ ي-و-م مُدّةٌ تَسري مَوصولةً ثُمَّ تَلتَئِمُ عِندَ حَدٍّ يَجمَعُها. فاليَومُ حِصّةٌ لَها أوَّلٌ وآخِر، لا زَمَنٌ مُطلَق. وهذه الحِصّةُ لم تُعَرَّفْ بِطولِها ولا بِمَوضِعِها، وإنَّما بِفِعلٍ واحِدٍ يَجري فيها.

والفِعلُ الذي عُرِّفَ بِه اليَومُ مُضارِعٌ بَعدَ ماضٍ. «جاءَت» فَرَغَت، و«يَتَذَكَّرُ» ما زالَ يَجري. المَجيءُ يَقَعُ دَفعةً، والتَّذَكُّرُ يَستَغرِقُ اليَومَ كُلَّه.

«يَتَذَكَّرُ»: قَبضٌ يَعودُ على صاحِبِه

الجِذرُ ذ-ك-ر نُفوذٌ حادٌّ يَكتُمُ ما قَبَضَ عَلَيه ثُمَّ يَجري بِه في الزَّمَن: اختِراقٌ لِغِشاءٍ يُمسِكُ المَعنى فلا يُفلِتُه. وصيغةُ التَّفَعُّلِ تَرُدُّ هذا الاختِراقَ على فاعِلِه، فالواقِعُ فيه هو الواقِعُ مِنه.

ولَيسَ في الآيةِ مُذَكِّرٌ يُذَكِّر. لا عارِضَ يَعرِضُ ولا مُنادٍ يُنادي. الفِعلُ قائِمٌ بِصاحِبِه وَحدَه، والمادّةُ المُستَحضَرةُ مادَّتُه. ما يَطلُعُ في ذلك اليَومِ لَيسَ خَبَراً يَرِدُ من خارِج.

وفي التَّفَعُّلِ تَدَرُّجٌ أيضاً: لا يَقَعُ الاستِحضارُ دَفعةً بَل طَبَقةً بَعدَ طَبَقة. يَومٌ جاءَ في لَحظةٍ يَنفَتِحُ على مُهلةٍ لا تُطوى.

«الْإِنسَانُ»: الاسمُ يَسقُطُ ويَبقى الجِنس

سَمَّتِ السّورةُ قَبلَ قَليل: مُوسى، وفِرعَون، وطُوًى. ثُمَّ بَلَغَت هذا المَوضِعَ فقالَت «الإنسان» ووَقَفَت. وأَلِفُ اللّامِ هُنا لِلجِنسِ لا لِمَعهودٍ سابِق: لَفظٌ واحِدٌ يَسَعُ كُلَّ مَن سَعى.

والكَلِمةُ مَبنِيّةٌ على الأُنس، والجِذرُ أ-ن-س رَنينٌ مَحبوسٌ يَنسابُ نَحوَ غَيرِه: كائِنٌ لا يَتِمُّ إلّا بِمَن يَأنَسُ بِه. وقد وُضِعَ في هذه الجُملةِ إزاءَ شَيءٍ واحِدٍ لَيسَ أحَداً: «ما سَعى». لا ثالِثَ مَعَهُما في السَّطر.

«مَا سَعَىٰ»: السَّعيُ يَلحَقُ بِمَن أدبَرَ بِه

«ما» مَوصولة، والمُستَحضَرُ هو المَسعِيُّ إليه بِعَينِه. ولم يُقَلْ «ما عَمِلَ» ولا «ما كَسَب». اختيرَ لَفظُ الحَرَكةِ لا لَفظُ الأثَرِ ولا لَفظُ الجَزاء.

والسَّعيُ من س-ع-ي جَريانٌ مُمتَدٌّ يَقبِضُ على مَقصَدِه ويَلتَحِمُ بِه فلا يَقِف. وقد مَرَّ اللَّفظُ في هذه السّورةِ حالاً لِمُدبِر: ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ﴾. هُناكَ ظَهرٌ مُدارٌ وقَدَمٌ مُجِدّة، وهُنا الحَرَكةُ قَد سَكَنَت وصاحِبُها يَستَحضِرُها.

فالسَّعيُ لا يُترَكُ خَلفَ صاحِبِه، والجِذرُ نَفسُه يَقولُ ذلك: عَينٌ تَقبِضُ، وياءٌ تَمُدُّ القَبضَ فلا يَنفَكّ. ما التُصِقَ بِه في الجَريِ يُلتَقى بِه حينَ يَقِفُ الجاري.


حَصيلة

يَتِمُّ هُنا التَّوقيتُ الذي فُتِحَ قَبلَه، فيُعَلَّقُ «يَومَ» بِمَجيءِ الطّامّة، ولا يُوصَفُ اليَومُ بِطولٍ ولا بِمَوضِعٍ من الزَّمان، وإنَّما بِفِعلٍ واحِدٍ يَجري فيه. والفِعلُ من ذ-ك-ر، اختِراقٌ يَقبِضُ على المَعنى ويَجري بِه، وصيغةُ التَّفَعُّلِ تَرُدُّه على صاحِبِه فيَكونُ الواقِعُ فيه هو الواقِعَ مِنه، بِلا مُذَكِّرٍ يُذَكِّرُه ولا خَبَرٍ يَرِدُ عَلَيه. والفاعِلُ «الإنسان» بِلامِ الجِنس، بَعدَ أسماءٍ صَريحةٍ نَطَقَت بِها السّورةُ قَبلَ قَليل، فيَتَّسِعُ اللَّفظُ لِكُلِّ مَن سَعى. والمُستَحضَرُ «ما سَعى» لا ما عَمِلَ ولا ما كَسَب: الحَرَكةُ نَفسُها، وهي في س-ع-ي جَريانٌ يَقبِضُ على مَقصَدِه ويَلتَحِمُ بِه. وقد مَرَّ اللَّفظُ في السّورةِ حالاً لِمُدبِرٍ يَجري، فصارَ هُنا مادّةَ الاستِحضار. الجِهةُ التي جَرى فيها انتَهَت، والجَريُ نَفسُه لم يَنتَهِ.