الانفطار · الآية 14

﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ

«وَإِنَّ … لَفِي»: مِرآةٌ تُقابِلُ كَلِمةً بِكَلِمة

وهذه الآيةُ هي التي قَبلَها حَرفاً بِحَرف، إلّا في مَوضِعَين: اسمٌ بَدَلَ اسم، وظَرفٌ بَدَلَ ظَرف، وقد زيدَت في صَدرِها واو.

والواوُ تَعطِفُ ولا تُفاضِل، وأوثِرَت على «وأمّا» و«لكِنَّ»، فلا تَراجُعَ في الكَلامِ ولا استِدراك، والقِسمانِ يَجريانِ على مِسطَرةٍ واحِدة.

وحينَ تَثبُتُ البِنيةُ ويَتَغَيَّرُ اسمانِ فَقَط، يَصيرُ الاسمانِ هُما كُلَّ الفَرق، فالآيَتانِ تُقرَآنِ مَعاً أو لا تُقرَآنِ أصلاً.

«الْفُجَّارَ»: شَقٌّ يُخرِجُ ما كانَ مَحبوساً ثُمَّ لا يَقِف

والفُجورُ من ف-ج-ر، وهو شَقٌّ ضَيِّقٌ بِقُوّة، ثُمَّ بُروزُ ما كانَ مَحبوساً في الجَوف، ثُمَّ جَرَيانٌ مُستَرسِلٌ لا يَقِفُ عِندَ الشَّقّ، فهي ثَلاثُ خُطُواتٍ لا خُطوةٌ واحِدة.

ولِذلك لا يُسَمّى كُلُّ خَطَإٍ فُجوراً، فالفُجورُ يَحتاجُ حاجِزاً يُشَقّ، وما خَرَجَ مِنه كانَ مَخزوناً في الدّاخِلِ قَبلَ الشَّقّ، وهو لا يَقِفُ عِندَ الحادِثةِ الواحِدة. وصيغةُ فُعّالٍ تُثَبِّتُ الأمرَ الثالِث، فهو كَثرةٌ لازِمةٌ لا فَعلةٌ عابِرة.

والجِذرُ نَفسُه مَرَّ في صَدرِ هذه السورة: وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾، والشَّقُّ هُناكَ يَقَعُ على البِحارِ فيَخرُجُ ما كانَ مَحبوساً بَينَها، ويُسَمّى بِه هُنا قَومٌ فَعَلوا ذلك بِأنفُسِهِم، فما يَنتَظِرُ البِحارَ في يَومٍ آتٍ يُسَمّى بِه هؤُلاءِ الآن.

وتَعودُ الكَلِمةُ في البِنيةِ نَفسِها في مَوضِعٍ آخَر: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾، كَما عادَت أُختُها في الآيةِ قَبلَها، فكِتابُهُم هُناكَ يُوضَعُ في الظَّرف، وهُم أنفُسُهُم يُوضَعونَ فيه هُنا، والبِنيةُ واحِدة، والمَوضوعُ يَنتَقِلُ من الصَّحيفةِ إلى صاحِبِها.

«جَحِيمٍ»: تَكَتُّلٌ مُحتَكٌّ يُغلَقُ في كُتلة

والجَحيمُ من ج-ح-م، وأصلُه تَكَتُّلٌ يَجتَمِعُ في حَيِّز، ثُمَّ احتِكاكٌ في مَضيقٍ لا يَنفُذُ مِنه، ثُمَّ ضَمٌّ يُغلِقُ الكُتلةَ على نَفسِها، فهو نارٌ تَجتَمِعُ في بُؤرةٍ وتَحتَبِسُ فيها فيَشتَدُّ احتِكاكُها بِذاتِها.

وهُنا يَظهَرُ أثَرُ المُقابَلة: فـ«نَعِيمٍ» انبِعاثٌ يَخرُجُ من جَوفٍ فيَستَقِرُّ بِلِينٍ ويُحيط، و«جَحِيمٍ» تَجَمُّعٌ يُحبَسُ في مَضيقٍ فيَحتَكُّ ولا يَخرُج، فالأوَّلُ يَتَّسِعُ بِمَن فيه، والثاني يَضيقُ عَلَيه. والكَلِمَتانِ على وَزنٍ واحِد، نَكِرَتانِ مَسبوقَتانِ بِـ«لَفِي»، فالهَيئَةُ واحِدةٌ والمَحَلُّ مُختَلِف.

ومَن قَرَأَ الاسمَينِ الأوَّلَينِ عَرَفَ لِمَ جاءَ هذانِ الظَّرفان، فالاتِّساعُ المَفتوحُ يُرَدُّ إلى سَعةٍ بِلا حافّة، والشَّقُّ الذي لا يَقِفُ يُرَدُّ إلى حَيِّزٍ لا شَقَّ فيه، ومَن لم يَحفَظْ حاجِزاً وُضِعَ حَيثُ لا حاجِزَ يُشَقّ.


حَصيلة

تُعادُ البِنيةُ السابِقةُ حَرفاً بِحَرفٍ ولا يَتَغَيَّرُ فيها إلّا اسمان، فيَصيرُ الاسمانِ هُما كُلَّ الفَرق، والواوُ تَعطِفُ من غَيرِ استِدراك. و«الْفُجَّارَ» من ف-ج-ر، ومَعناه شَقٌّ بِقُوّة، فبُروزُ ما كانَ مَحبوساً في الجَوف، فجَرَيانٌ لا يَقِفُ عِندَ الشَّقّ، وصيغةُ فُعّالٍ تَجعَلُه لازِماً لا عابِراً، وهو الجِذرُ الذي وَقَعَ في صَدرِ السورةِ على البِحارِ إذ فُجِّرَت. و«جَحِيمٍ» من ج-ح-م، أي تَكَتُّلٌ يَجتَمِعُ ثُمَّ يُحبَسُ في مَضيقٍ يَحتَكُّ فيه ثُمَّ يُغلَقُ في كُتلة. والكَلِمَتانِ الخاتِمَتانِ على وَزنٍ واحِد، نَكِرَتانِ مَسبوقَتانِ بِالظَّرفِ نَفسِه، إحداهُما انبِعاثٌ يَخرُجُ فيُحيطُ بِلِين، والأُخرى تَجَمُّعٌ يُحبَسُ فيَحتَكُّ ولا يَخرُج. فمَن وَسَّعَ رُدَّ إلى سَعةٍ بِلا حافّة، ومَن لم يَقِفْ عِندَ حاجِزٍ رُدَّ إلى حَيِّزٍ لا حاجِزَ فيه يُشَقّ.