الانشقاق · الآية 6

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ

«يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ»: التِفاتٌ من الطَّرَفَينِ إلى مَن بَينَهُما

خَمسُ آياتٍ عن غائِبَين: سَقفٌ يَنفَتِح، وأرضٌ تُبسَطُ وتُلقي وتَتَخَلّى، وكِلاهُما يُصغي فيُحكَمُ عَلَيه. ثُمَّ يَنقَلِبُ الكَلامُ إلى مُخاطَب. مَن كانَ يَسمَعُ خَبَراً عن غَيرِه صارَ هو المَقصودَ بِالنِّداء.

وهذا هو ما انتَظَرَه السّامِعُ مُنذُ «إِذَا» الأولى. كانَ يَنتَظِرُ خَبَراً عَمّا يَقَعُ فجاءَه نِداءٌ باسمِه. الشَّرطُ الطَّويلُ لا يُغلَقُ بِحادِثةٍ تُروى، بَل بِإصبَعٍ تُشيرُ إلى المُستَمِع.

و«الْإِنسَانُ» من أ-ن-س: ظُهورٌ مُستَمِرٌّ يَسكُنُ إلَيه غَيرُه، ومنه «الأُنس» ضِدُّ الوَحشة. والتَّعريفُ تَعريفُ جِنسٍ يَستَغرِقُ الأفرادَ ولا يُعَيِّنُ واحِداً. يُنادى النَّوعُ كُلُّه، ثُمَّ تَأتي كافُ المُفرَدِ في «إِنَّكَ» فتَضَعُ الخِطابَ في صَدرِ واحِدٍ واحِد. يُنادى الجِنسُ ويُخبَرُ الفَرد.

«إِنَّكَ كَادِحٌ»: اسمُ فاعِلٍ يَجعَلُ الكَدحَ حالاً لا حادِثة

ك-د-ح جَهدٌ مَكتومٌ يَجري مُحتَكّاً فيَخدِشُ صاحِبَه. ومنه «الكُدوح» آثارُ الخَدشِ في الجِلد. فلَيسَ كُلُّ عَمَلٍ كَدحاً: الكَدحُ ما رَجَعَ أثَرُه على العامِلِ نَفسِه. تُريدُ أن تَعرِفَ ما كَدَحتَ فيه؟ انظُرْ ما تَرَكَ فيكَ لا ما تَرَكتَ فيه.

و«كَادِحٌ» اسمُ فاعِل، لا فِعلٌ ماضٍ ولا مُستَقبَل. اسمُ الفاعِلِ يَصِفُ صاحِبَه بِالصِّفةِ القائِمةِ فيه، فلا يُقالُ متى بَدَأَ ولا متى يَنتَهي. ولَم يُقَلْ «سَتَكدَح» ولا «قَد كَدَحت»: قيلَ إنَّكَ الآنَ هذا.

وجاءَت «إِنَّ» في صَدرِ الجُملة. تُؤَكِّدُ ما بَعدَها وتَرُدُّ على مَن يَظُنُّ خِلافَه. فالخَبَرُ لَيسَ إعلاماً بِجَديدٍ فَقَط، فيه رَدُّ إنكارٍ مُقَدَّر: بَل أنتَ كَذلك.

«إِلَىٰ رَبِّكَ»: حَرفٌ يَجعَلُ لِلجَهدِ مُنتَهىً

لَم يُقَلْ «لِرَبِّكَ» ولا «مَعَ رَبِّكَ» ولا «في سَبيلِ رَبِّك». قيلَ «إِلَىٰ»، وهي لِانتِهاءِ الغاية. فالكَدحُ لَه طَرَفٌ يَنتَهي عِندَه، ولَيسَ دَوَراناً في مَحَلِّه.

والمُنتَهى لَيسَ أجراً ولا مَنزِلاً، هو مَن يُنسَبُ إلَيه المُخاطَب. و«رَبّ» من ر-ب-ب إمساكٌ مُلازِمٌ يُنَمّي ما أمسَك. وقَد قيلَ في الآيَتَينِ السّابِقَتَينِ «لِرَبِّهَا» مَرَّتَين، وهنا «رَبِّكَ». الكَلِمةُ واحِدةٌ والضَّمائِرُ ثَلاثة: سَقفٌ ولَه رَبُّه، وأرضٌ ولَها رَبُّها، وأنتَ ولَكَ رَبُّك.

ومَن كانَت غايَتُه مُمسِكاً بِه مُنَمِّياً لَه، فسَيرُه إلَيه رُجوعٌ إلى مَن لَم يُفارِقْه. الجِهةُ التي يَكدَحُ نَحوَها هي الجِهةُ التي يُمسَكُ مِنها.

«كَدْحًا»: مَصدَرٌ يُؤَكِّدُ فيَمنَعُ التَّخفيف

يُعادُ الجَذرُ مَصدَراً بَعدَ اسمِ الفاعِل. والمَصدَرُ إذا جاءَ هكذا رَفَعَ عن الكَلامِ احتِمالَ المَجاز: لَستَ شَبيهاً بِالكادِح، أنتَ كادِحٌ كَدحاً.

وجاءَ المَصدَرُ عارِياً من كُلِّ نَعت. لَم يُقَلْ «كَدحاً شَديداً» ولا «كَدحاً يَسيراً»، فلا مِقدارَ يُعطى ولا مُقارَنةَ تُعقَد. الكَلِمةُ وَحدَها، ولِكُلِّ واحِدٍ أن يَعرِفَ مِقدارَه من كُدوحِه.

«فَمُلَاقِيهِ»: الفاءُ تَجعَلُ اللِّقاءَ نَتيجةً لا مُصادَفة

الفاءُ تُعَقِّبُ وتُسَبِّب. فاللِّقاءُ لَيسَ حادِثةً أُخرى تُضافُ إلى الكَدح، هو ما يَنتَهي إلَيه الكَدحُ بِنَفسِه. مَن مَشى في طَريقٍ لَه آخِرٌ فقَد وَقَعَ آخِرُه في خُطوَتِه الأولى.

و«مُلاقٍ» اسمُ فاعِلٍ من بِناءِ المُفاعَلة، وهي تَقتَضي طَرَفَينِ يَتَوَجَّهُ كُلٌّ مِنهُما إلى الآخَر. و«لَقِيَ» في العَرَبِيّةِ مُواجَهةٌ لا مُرور: أن تَصيرَ إلَيه فتَقَعَ عَلَيه وَجهاً لِوَجهٍ بِلا حاجِب. ولَيسَ الخَبَرُ أنَّكَ تَصِلُ إلى مَوضِع، الخَبَرُ أنَّكَ تَقِفُ مُقابِلاً.

وعُطِفَ «فَمُلَاقِيهِ» على «كَادِحٌ»، فكِلاهُما خَبَرُ «إِنَّ». صِفَتانِ قائِمَتانِ الآنَ لا مَرحَلَتانِ مُتَعاقِبَتان: أنتَ الكادِحُ وأنتَ المُلاقي في جُملةٍ واحِدة.

وأمّا الهاءُ في آخِرِه فلَم تُعَيِّنِ الآيةُ مَرجِعَها. وفي الجُملةِ ما يَصلُحُ لَها: «رَبِّكَ» المَذكورُ قَبلَها، و«كَدْحًا» المُؤَكَّدُ بِه. والوَجهانِ يُعلَنانِ ولا يُحسَمُ أحَدُهُما، وكِلاهُما داخِلُ الآيةِ لا خارِجَها.

ويَعودُ هذا الجَذرُ من مَوضِعِه في السّورة: وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾. الأرضُ تُرخي قَبضَتَها عَمّا فيها، والإنسانُ يَقِفُ مُقابِلاً لِما إلَيه. جَذرٌ واحِدٌ: ما أُفلِتَ هُناكَ يُواجَهُ هُنا.


حَصيلة

بَعدَ خَمسِ آياتٍ عن سَقفٍ وأرضٍ يَنقَلِبُ الكَلامُ إلى نِداء، فيُغلَقُ الشَّرطُ الطَّويلُ لا بِحادِثةٍ تُروى بَل بِإشارةٍ إلى السّامِع. و«الْإِنسَانُ» من أ-ن-س: ظُهورٌ مُستَمِرٌّ يَسكُنُ إلَيه غَيرُه، وتَعريفُه تَعريفُ جِنس، ثُمَّ تَنقُلُ كافُ «إِنَّكَ» الخِطابَ إلى واحِدٍ واحِد. و«كَادِحٌ» من ك-د-ح: جَهدٌ مَكتومٌ يَجري مُحتَكّاً فيَخدِشُ صاحِبَه، ومنه الكُدوحُ آثارُ الخَدش، واسمُ الفاعِلِ يَجعَلُها صِفةً قائِمةً لا حادِثةً مُؤَقَّتة، و«إِنَّ» تَرُدُّ إنكاراً مُقَدَّراً. و«إِلَىٰ» لِانتِهاءِ الغاية، فلِلجَهدِ طَرَفٌ يَنتَهي عِندَه، والطَّرَفُ مَن يُمسِكُ بِالمُخاطَبِ ويُنَمّيه: رَبٌّ لِلسَّقفِ ورَبٌّ لِلأرضِ ورَبٌّ لَك. و«كَدْحًا» مَصدَرٌ يُؤَكِّدُ فيَمنَعُ المَجاز، وجاءَ عارِياً من نَعتٍ فلا مِقدارَ يُعطى. ثُمَّ «فَمُلَاقِيهِ» بِفاءِ التَّعقيبِ والسَّبَب: اللِّقاءُ ما يَنتَهي إلَيه الكَدحُ لا حادِثةٌ تُزادُ عليه، وبِناءُ المُفاعَلةِ يَجعَلُه مُواجَهةً من طَرَفَين، وهو مَعطوفٌ على «كَادِحٌ» فالصِّفَتانِ قائِمَتانِ مَعاً. والهاءُ لَم تُعَيَّنْ، وفي الجُملةِ «رَبِّكَ» و«كَدْحًا»، والوَجهانِ يُعلَنان. مَن سَعى بِجِلدِه سَيَقِفُ يَوماً بِوَجهِه.