البينة · الآية 6

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ

«في نارِ جَهَنَّم خالِدين فيها»: المَكانُ يَلزَم

لَو قِيلَ «يَدخُلون نارَ جَهَنَّم» لَكانَ الفِعلُ مُؤَقَّتاً، حَدَثاً يَقَع. لكنَّ الآيَةَ اختارَت «في نارِ جَهَنَّمَ خالِدينَ فيها»: حَرفُ ظَرفٍ يَتَكَرَّر، وحالٌ تُؤَكِّد. هُم فيها، وهُم خالِدونَ فيها. التَّكرارُ ثِقَل.

والجذرُ خ-ل-د في اللسانِ يَدلّ على المُلازَمةِ والاستِقرارِ في المَوضع. «خَلَدَ بالمَكان» أَقامَ به ولَم يَبرَح. ولَيس مُجَرَّدَ امتِدادٍ في الزَّمَن، بل تَوَطُّنٌ في المَوضِع. مَن خَلَدَ في النار، تَوَطَّنَ فيها كَتَوَطُّنِ أهلِ المَوضِعِ في مَوضِعِهم. لا يُغادِرونَه لأنَّهم صاروا منه.

«أولَئِكَ هُم شَرُّ البَرِيَّة»: لِماذا «البَرِيَّة» لا «الخَلق»

الكَلِمةُ المُختارَةُ هنا ليست «الخَلق» (من خ-ل-ق)، بَل «البَرِيَّة» (من ب-ر-أ). والفَرقُ دَقيقٌ ومَقصود. «خَلَقَ» في اللسانِ تَقديرٌ يَلي تَركيب: التَّقديرُ ثُمَّ الإيجاد. أمّا «بَرَأَ» فَإيجادٌ من عَدَم، بِتَخليصٍ تامٍّ من المَصدَر. البَرِيَّةُ ما بَرَأَه الله، أي ما خَرَجَ من العَدَمِ بِكَلِمَتِه نَقيّاً.

فحينَ يُقالُ «شَرُّ البَرِيَّة» فالمَعنى: شَرُّ ما خَرَجَ من يَدِ الله نَقيّاً. وفي البَقَرة، حِين أَخبَرَ الكتابُ المَلائكةَ عن آدَم: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، اعتَرَضوا فيما هو في صورتِه طَرحُ سؤالٍ عن البَريّة. كأنَّ الإنسانَ خُلِقَ ليَكونَ مِن أَفضَلِ ما بُرِئ. والآيةُ هنا تُقَلِّبُ المَوازين: مَن خَرَجَ من العَدَمِ نَقيّاً ثُمَّ غَطّى نَفسَه بَعدَ أن جاءَتهُ البَيِّنةُ، صار شَرَّ ما بُرِئ.

والشَّرُّ في جَذرِه (ش-ر-ر) ضَرَرٌ يَنتَشِرُ كنارٍ من قَبَس. فهَذا الذي كَفَرَ بَعدَ البَيِّنةِ ضَرَرٌ يَنتَشِر. ليس عَلى نَفسِه فَحَسب، بَل في مَن حَولَه. والآيةُ تُسَمّيه شَرَّ البَريَّة لأنَّ ما خَرَجَ من يَدِ الله نَقيّاً يُحاسَبُ بِمِقدارِ ما حَجَبَه عَن نَفسِه ومَن حَولَه من نَقاء.

المُفارَقَةُ مع الآيَةِ التالية

الآيَةُ تَنتَهي عند «شَرُّ البَريَّة»، والآيَةُ التالِيةُ تَفتَتِحُ بـ«خَيرُ البَريَّة». الكَلِمَتانِ تُنسَبانِ إلى نَفسِ المَصدَر. القارئُ يَستَقبِلُ الحَدَّينِ في صَفَحَتَين مُتَجاوِرَتَين، ويَقِفُ بَينَهُما.

هذا الإيقاعُ مَقصود. السورةُ تَرفُضُ الوَسَط. لا تَتَكَلَّمُ عن دَرَجاتٍ بَينَ شَرٍّ وخَير. تَتَكَلَّمُ عَن طَرَفَين. وكلُّ مَن أَتَتهُ البَيِّنةُ فهو في أحَدِهِما. لا ثالِثَ.


حَصيلة

التَّركيبُ يَعودُ: «الذينَ كَفَروا مِن أَهلِ الكِتابِ والمُشرِكين» نَفسُ صَفِّ الآيةِ الأُولى، لكنَّ الحُكمَ الآنَ تامّ. «إنَّ» التَّوكيدُ يَفتَحُ بلا تَرَدُّد. «في نارِ جَهَنَّمَ خالِدينَ فيها»: تَكرارُ «في» ثِقَل، والخُلودُ (خ-ل-د) في جَذرِه تَوَطُّنٌ في المَوضِعِ لا مُجَرَّدُ امتِدادٍ في الزَّمَن. ثُمَّ الجُملَةُ الفاصِلَة بِثَلاثِ ضَرَبات: «أُولَئِكَ» اسمُ إشارَةٍ بَعيد، «هُم» ضَميرُ فَصلٍ يُحصِر، «شَرُّ البَرِيَّةِ» (ب-ر-أ) الخَبَرُ. والاختيارُ لِـ«البَرِيَّة» لا «الخَلق» مَقصود: البَرِيَّةُ ما خَرَجَ من العَدَمِ نَقيّاً بِكَلِمَةِ الله (برأ: خُلوصٌ تامٌّ من العَدَم)، وأَن تَكونَ شَرَّ ما خَرَجَ نَقيّاً لَحُكمٌ ثَقيل. السورةُ التي بَدَأَت بِسُكونٍ تَنتَهي بِهذا الحُكم.