البينة · الآية 7

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ

«آمَنوا»: دُخولٌ في حِضنِ الأَمان

الجذرُ أ-م-ن في اللسانِ يَدورُ على الأَمنِ والاطمِئنان، فـ«الأَمين» مَن يُؤمَنُ جانِبُه، و«الأَمانة» ما يُسلَّمُ إلى مَن يُؤمَن. والإيمانُ على وَزنِ «إِفعال» يُفيدُ إحداثَ الأَمنِ في النَّفس، أو الدُّخولَ في حِضنِ ما يُؤمَن، ومَن آمَنَ بالله صارَ في أَمانٍ مِنه، والمُرادُ أَمانُه من أن يَكونَ مَتروكاً في فَوضى، دونَ أَمانِه من أن يُصيبَه شَيء.

والإيمانُ في الآيَةِ السابقَةِ مُقابِلٌ لـ«كَفَروا»، والكُفرُ تَغطية، والإيمانُ كَشف، فالذي آمَنَ رَفَعَ الغِطاءَ، ودَخَلَ في الأَمانِ الذي وَجَدَه تَحتَه، ومَن لم يَأمَن بَقيَ في عَراءٍ يُغَطّيه ولا يَأمَن.

«عَمِلوا الصَّالِحات»: أَفعالٌ تَلتَئِم

ويَأتي الفِعلُ بَعدَ الإيمان، لا قَبلَه، فالإيمانُ قاعِدَة، والعَمَلُ بِناءٌ عَلَيها، ولَو قُدِّمَ العَمَلُ على الإيمانِ لَكانَ بِناءً بِلا قاعِدَة. ولِذلك يُجَمِّعُ القرآنُ الفِعلَين مِراراً: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، والإيمانُ فيه سابقٌ، والصَّالِحاتُ تابِعَة.

والجَذرُ ص-ل-ح يَجمَعُ مَعنى النَّفعِ والمُلاءَمة، يُقالُ «صَلَحَ الشَّيء» إذا اسْتَوى ولاءَمَ مَوضِعَه فَلَم يَفسُد. والصَّالحاتُ جَمعُ صالِحَة، وهي صِفَةٌ مُؤَنَّثَة، والمُرادُ بِها أَعمالٌ صَلَحَت، أي لاءَمَت مَوضعَها، وتَناسَبَت مَع غَيرِها، فلم تُفسِد ولَم تَفسُد، زِيادَةً على كَونِها «حَسَنَة». وفي هذا مِفتاحٌ مُهِمّ، وهو أنَّ الصَّالحاتِ أَفعالٌ تَستَقيمُ في نَسيجٍ واحد، غَيرُ مَعزولَةٍ بَعضُها عن بَعض.

«خَيرُ البَريَّة»: نَفعٌ يَجري على ما خُلِقَ نَقيّاً

واختيرَت «البَريَّة» هُنا على «الخَلق» كَما اختيرَت في الآيَةِ السابقة، والخَيرُ يُضافُ إلى البَريَّةِ كَما أُضيفَ الشَّرُّ. ومَن صارَ في أَمانٍ ثُمَّ عَمِلَ صالِحاتٍ مُلتَئِمَة يَنطَلِقُ من نَفسِه نَفعٌ يَجري عَلى ما خُلِقَ نَقيّاً، فلا يَفسُدُ ولا يَنحَبِس.

والصَّلاحُ في جَذرِه ضِدُّ الفَساد، فالذي «عَمِلَ الصَّالحات» أَثبَتَ في يَدِه أنَّ ما خَرَجَ نَقيّاً من العَدَمِ يُمكِنُه أن يَبقى نَقيّاً فلا يَفسُد ولا يُفسِد. وهو شاهِدٌ على أنَّ الإنسانَ يُمكِنُه أن يَكونَ خَيرَ ما بُرِئ، ولَم يَكُن قَدَراً عَلَيه الإفساد، فيَكونُ نَفعاً يَجري على ما خُلِقَ نَقيّاً بَدَلَ ضَرَرٍ يَنتَشِرُ فيه.

طَرَفانِ من نَفسِ المَخرَج

والمُفارَقةُ بَينَ الآيَتَينِ مَقصودَة، فكِلاهُما من البَريَّةِ نَفسِها، وكِلاهُما خَرَجَ نَقيّاً من العَدَمِ بِكَلِمَةِ الخالِق، والاختِلافُ في ما فُعِلَ بِالأَصلِ دونَ الأَصلِ نَفسِه، فهذا غَطّى فصارَ شَرّاً، وهذا أَمِنَ ولاءَمَ فصارَ خَيراً.

ويَقِفُ القارئُ بَينَ الآيَتَين كَما يَقِفُ بَينَ صَفَّين، فالسورةُ بَدَأَت من السُّكون، وانتَهَت إلى تَخايُرِ القَلب، وما عادَ السُّكونُ مُمكِناً، فمَن سَمِعَ اختار، ومَن لَم يَختَرْ فقد كانَ في صَفِّ مَن غَطّى.


حَصيلة

الآيَةُ مَبنِيَّةٌ على التَّوازي مَع سابِقَتِها، فـ«إنَّ» التَّوكيدُ نَفسُه، و«أُولَئِكَ هُم» التَّركيبُ نَفسُه، و«البَريَّة» الاسمُ نَفسُه، غَيرَ أنَّ الخَبَرَ يَنقَلِبُ، فـ«شَرُّ البَريَّة» صارَ «خَيرُ البَريَّة»، والمُفارَقةُ بِذلك كامِلَة. و«آمَنوا» (أ-م-ن) دُخولٌ في حِضنِ ما يُؤَمِّن، يَشمَلُ القَبولَ العَقليَّ ويَزيدُ عَلَيه. و«عَمِلوا الصَّالِحات» (ع-م-ل، ص-ل-ح) من جَذرٍ يَدورُ على ما يُلائِمُ بَعضُه بَعضاً ولا يَتَنافَر، فالصَّالحاتُ أَفعالٌ تَلتَئِمُ بِبَعضِها فَتُكَوِّنُ بِنيَةً، لا فَوضى. و«خَيرُ البَريَّة» (خ-ي-ر) ما يَجري نَفعُه إلى الغَير. وتَضَعُ السورةُ القارئَ بَينَ آيَتَينِ بِالصِّياغَةِ نَفسِها وخَبَرَينِ مُتَقابِلَين، ولا وَسَطَ بَينَ شَرِّ البَريَّةِ وخَيرِها، ومَن أَتَتهُ البَيِّنةُ يَعرِفُ في أيِّ صَفٍّ يَقِف.