البينة · الآية 8

﴿جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ

«جَزاؤُهُم عِندَ رَبِّهم»: ما يَعود، حِيثُ يَعود

الجذرُ ج-ز-ي في اللسانِ يَدورُ على القَطعِ المُقابِل، يُقالُ «جَزى الشَّيءُ الشَّيءَ» إذا قابَلَه بمِقدارِه. والجَزاءُ ما يَعودُ بِمِقدارِ ما قُدِّم، وهو غَيرُ العَفوِ المَجّانيّ وغَيرُ الانتِقامِ العَشوائيّ، فأَعمالُ الذينَ آمَنوا والصَّالِحاتُ التي عَمِلوها تَعودُ إلَيهم في صورةٍ مُلائِمَةٍ لِبِنيَتِها.

وأوثِرَ «رَبّ» على «الله» في «عِندَ رَبِّهم»، لأنَّ الرَّبَّ مَن يُربّي ويُنمّي، فالعَلاقَةُ القائمَةُ مَع المُجزى عَلاقَةُ مُربٍّ بِما رَبّاه، لا عَلاقَةُ سَيِّدٍ بقَوانينِه، والجَزاءُ يَأتي مِمَّن قَطَعَ مَعَ العَبدِ أنفاسَ التَّربيةِ كلِّها.

«جَنّاتُ عَدنٍ تَجري من تَحتِها الأَنهار»: السُّكونُ على حَركة

والصورةُ مَوصوفَةٌ بدِقَّة: جَنّاتٌ، وفيها سَترٌ وإحاطة، وعَدنٌ، وهو التَّوَطُّن، وتَجري من تَحتِها الأَنهار، أي حَياةٌ تَجري ولا تُرى من فَوق. وهي ثَلاثَةُ عَناصِرَ تُكَوِّنُ مَكاناً لا يَعرفُ النَّقص: ما يَستُرُ، وما يُتَوَطَّنُ فيه، وما يَتَحَرَّكُ تَحتَه.

وفي البَقَرة: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، والصورةُ نَفسُها تَتَكَرَّرُ في الكتابِ كلَّما حَلَّ مَوضعُ النَّعيمِ المَوعود، وكأنَّ الجَنَّةَ في القرآنِ بِنيَةُ سُكون-على-حَركة، وليست رَفاهيّةً مَفصولَة، فما يَدومُ فيها يَدومُ لأنَّ تَحتَه حَياةً تَجري.

«رَضيَ الله عَنهُم ورَضوا عَنه»: الرِّضى المُتَبادَل

وتَنزِلُ الجُملةُ كَتَوقيع، ولَو لم يَكُن في الجَنَّةِ شَيءٌ آخَرُ لَكَفى، فالجَنَّةُ بكلِّ ما فيها لا تُساوي قَولَه «رَضيَ الله عَنهُم». والإجابَةُ تُعادِلُه في «ورَضوا عَنه»، فالفَوقُ راضٍ، والتَّحتُ راضٍ، ولا فَجوَةَ بَينَهُما.

والجذرُ ر-ض-ي في اللسانِ يَدورُ على السُّكونِ المُطمَئِنّ، فهو قَبولٌ يَنزِلُ سُكوناً في القَلب. ورِضى اللهِ عَنِ العَبدِ مَعناه أنَّ ما فيه من حَركَةٍ صَلَحَت لِأَن تَستَقِرَّ في عَينَيه، ورِضى العَبدِ عَنه مَعناه أنَّ مَجاريَ التَّربيةِ كلَّها أَتَت بمَعناها فَسَكَنَت فيه.

«ذَلِكَ لِمَن خَشيَ رَبَّه»: الشَّرطُ الذي يَفتَحُ كلَّ ما سَبَق

واسمُ الإشارَةِ «ذلك» يَجمَعُ السورةَ كلَّها في كَلِمة، فهذا كلُّه، من البَيِّنةِ والصُّحُفِ المُطَهَّرة والكُتُبِ القَيِّمَة، والعِبادةِ المُخلَصة والصَّلاةِ المُقامَة والزَّكاةِ المُؤتاة، والجَنَّةِ والرِّضى، لِمَن خَشيَ رَبَّه.

والخَشيَةُ في جَذرِها (خ-ش-ي) وَجَلٌ يَعرفُ مَا يَخشى، غَيرُ الخَوفِ العَشوائيّ، تَأتي من العِلم، لا من الجَهل. ولِذلك جاءَ في القرآن: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، فمَن خَشيَ رَبَّه عَرَفَه، والمَعرفَةُ بمَن يُخشى تَفُكُّ السُّكونَ الذي افتَتَحَتِ السورةُ بِوَصفِه.

والسورةُ التي بَدَأَت من «لَم يَكُن... مُنفَكّين» تَنتَهي بمَن انفَكّ، والذي فَكَّ سُكونَه خَشيَةٌ تَعرفُ ما تَخشى، دونَ قَهرٍ من خارج.


حَصيلة

تُغَطّي الآيةُ الأخيرة جَزاءَ «خَيرِ البَريَّة». و«جَزاؤُهُم» (ج-ز-ي) في جَذرِه قَطعٌ يُقابِلُ قَطعاً، فما فَعَلوه يَعودُ إلَيهِم من جِنسِه. و«عِندَ رَبِّهم» تُحَدِّدُ حَضرَةَ المَرجِع، ولا تَقِفُ عِندَ عَطاءٍ من بَعيد. و«جَنَّاتُ عَدنٍ» (ج-ن-ن، ع-د-ن) مَكانٌ يَستُرُ ويُحيطُ ويُتَوَطَّنُ فيه، و«تَجري من تَحتِها الأَنهار» (ج-ر-ي) حَركَةٌ تَحتَ السُّكون، وحَياةٌ تَحتَ الاستِقرار. و«خالِدينَ فيها أَبَداً» (خ-ل-د، أ-ب-د) هو الخُلودُ نَفسُه الذي وَصَفَ أهلَ النارِ في الآيةِ السادِسة، غَيرَ أنَّه هنا في النَّعيم. ثمَّ تَأتي قِمَّةٌ لا تُضاهى في «رَضيَ الله عَنهُم ورَضوا عَنه» (ر-ض-ي)، وهو رِضاءٌ مُتَبادَلٌ من الفَوقِ والتَّحت. والخِتامُ بِاسمِ إشارَةٍ يَجمَعُ كلَّ ما سَبَق: «ذَلِكَ لِمَن خَشيَ رَبَّه» (خ-ش-ي)، والخَشيَةُ وَجَلٌ يَعرِفُ مَن يُوجِل، وبِها تَنتَهي السورَةُ التي بَدَأَت بِسُكونٍ بِلا وَجَل، فيَكونُ آخِرُها وَجَلاً يُحَرِّكُ من العُمق.