الفاتحة · الآية 7

﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ

«الذين أَنعَمتَ عليهم»: الصِّراطُ يَعرَفُ بأهلِه

أَوّلُ ما يَصِفُ الصِّراطَ المُستقيمَ أنّه طريقُ مَن سَبَقَ عليه، وهذا اختيارٌ مَقصود: الكتابُ يُعَرِّفُ الطريقَ بسالِكيه، لا بعَلاماتِه الجُغرافيّة، لأنّ الصِّراطَ مَسيرةٌ تُعاش، وليس لَوحةً تُعلَّق، والخطُّ يُرى مِن داخلِ الخَطوة، لا مِن عَلٍ. فمَن أرادَ أن يَعرِفَ الصِّراطَ فسَبيلُه النَّظرُ إلى مَن سارَ فيه، وهم أُناسٌ أَنعَمَ اللهُ عليهم، فالنِّعمةُ المَنسوبةُ إليهم هي ما يُعَرِّفُهم، دون اسمٍ أو نَسَب.

وفي هذا أدَبٌ في طَلَبِ الهِداية، فالإنسانُ يَطلبُ أن يَلحقَ بقَومٍ قد سَلَكوه قَبلَه، ولا يَطلبُ أن يَفتَحَ طريقاً من رأسِه. والنِّعمةُ المَذكورةُ هنا نِعمةُ الهِداية، لا نِعمةُ المالِ والعافية، فقد تَأتي النِّعمةُ الظاهرةُ على إنسانٍ وهو في غَيرِ صِراط، ولا تَأتي عليه النِّعمةُ الباطِنةُ التي هي الوَجهةُ القائمة، والآيةُ تَطلبُ الثانية.

والصيغةُ نفسُها تَعودُ في مَفتَتَحِ البَقَرَةِ بعدَ صَفحاتٍ قليلة: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾. والفاتحةُ تَطلبُ صِراطَ مَن أَنعَمَ اللهُ عليهم، والبَقَرَةُ تَلتفِتُ إلى قَومٍ أُنعِمَ عليهم بالفِعل ثمّ يَحتاجونَ إلى التَّذكير، وكأنّ الفاتحةَ تُسَمّي الفِئةَ، والبَقَرَةَ تُبيّنُ ما تَطلبُه النِّعمةُ مِن أهلِها حين تَنزِلُ بهم. والنِّعمةُ أمانةٌ يَنبَغي أن تُذكَر، وليست شَهادةً تُعلَّق.

«غَيرِ المَغضوبِ عليهم»: حالُ مَن عَرَفَ فحادَ

و«غَضِبَ» في اللسانِ العربيّ من جذرٍ يَدلّ على الانتفاخِ والشِّدّةِ مع حَرارة، والغَضَبُ كَظَيَظانُ ما يَغلي، و«المَغضوبُ عليهم» الذين وَقعَ عليهم هذا الانفعالُ من جِهةِ ربِّهم. ومِن الإصغاءِ الدَّقيقِ إلى بنيةِ الآيةِ التَّنبُّهُ إلى أنّ الغَضَبَ في العربيّةِ يَقعُ على مَن عَرَفَ فحادَ، لا على مَن جَهِل، والجاهلُ يُعلَّم، والعارفُ الذي يَنقُضُ عِلمَه هو الذي يَستجلِبُ الغَضَب.

فالقارئُ يَطلبُ ألّا يَكونَ من هذه الفِئة، وهي مَن عَرَفَ فصَرَفَ المَعرفةَ عن وَجهِها. ولم تُسَمِّ الآيةُ فِئةً بعينِها من الناس، وإنّما وَصَفَت حالاً، وكلُّ مَن عَرَفَ الحَقَّ وانصرَفَ عنه دَخَلَ في هذه الحال، مِن أيِّ جِنسٍ كان أو زَمان. والفاتحةُ تَحمي قارئَها من أن يَقعَ في هذا الاستجلابِ وهو لا يَشعُر.

والغَضَبُ ثِقَلٌ يَتَجَمَّعُ تحتَ الفِعلِ المَنكوسِ حتّى يَنفجِرَ ظاهراً، وليس سَهماً يُلقى من السَّماءِ على الغافل، وهو انفعالٌ يَستَجلِبُه مَن عَرَفَ فصَرَفَ، لا مَن لم يَعلَم.

«ولا الضّالّين»: حالُ مَن طَلَبَ فَضاع

و«ضَلّ» في اللسانِ جذرٌ يَدلّ على فُقدانِ الطريق، وعلى الاختفاءِ والدُّروس، يُقال «ضَلّ الماءُ في اللَّبَن» إذا اختَلَطَ فاختَفى فيه. والضَّالُّ في الاستعمالِ الأقدَمِ الذي فَقَدَ طريقَه، لا الذي صَدَّ عنه، وبينَه وبين المَغضوبِ عليه فَرقٌ: الأوّلُ لم يَعرِف، والثاني عَرَفَ فحادَ.

فالآيةُ بثَلاثيّتِها تَرسمُ ثلاثَ مَواقِفَ للإنسانِ من طريقِ الحَقّ: مَن هُدِيَ إليه فسار (مُنعَمٌ عليه)، ومَن عَرَفَه فتَرَكَه (مَغضوبٌ عليه)، ومَن طَلَبَه فلم يَقَع عليه (ضالّ). والقارئُ يَطلبُ أن يَكونَ من الأُولى، وأن يَعصِمَه ربُّه من الأُخريَين.

والفاتحةُ حين تَستَعيذُ من «الضَّالّين» تَستَعيذُ من مَجرى الماءِ الذي يَختفي في اللَّبَنِ فلا يَرجِع، وهو طَلَبٌ خَرَجَ فلم يَقَعْ على ما طَلَب، فاختَلَطَ بما حولَه حتّى ضاعَ عن نفسِه.

لا تَسميةَ لأُمّة: المَنهجُ هنا أن تَسمَعَ الحالَ لا الاسم

والنَّصُّ يَصِفُ حالاتٍ قابلةً للوُقوعِ من أيِّ إنسانٍ في أيِّ زمَن، لا أُمّةً بعَينِها، ومَن عَلَّقَها بفَريقٍ واحدٍ خَصَّ ما عَمَّمَه اللسان. والقارئُ الحَصيفُ يَسأَلُ نفسَه قبل أن يَسألَها عن غَيرِه: هل أنا مِمَّن عَرَفَ فصَرَفَ، أم مِمَّن طَلَبَ فأخطَأ، أم مِمَّن هُدِيَ فسارَ؟ والفاتحةُ تُعَلِّمُ أن يُطلَبَ الثالث.

وبهذا تُختَمُ الفاتحةُ، وهي سبعُ آيات: ثلاثٌ ثناء، وواحدةٌ انعقادُ نِسبة، وثلاثٌ طَلَب. وبالآيةِ الأخيرةِ يُكمِلُ القارئُ دُعاءَه: الصِّراطُ مَعروفٌ بأهلِه، مَصونٌ من انحرافَين. ومَن قَرَأَ الفاتحةَ بهذا التَّرتيبِ أكملَ في سَبعِ آياتٍ أدبَ الدُّعاءِ الكامل: اعترافٌ، ثمّ نِسبة، ثمّ طَلَب، ثمّ تَحديدُ المَطلوبِ بمَن سَبَقَ عليه.

ثمّ تُسَلِّمُ الفاتحةُ القارئَ إلى ما بعدَها، وهي الدُّعاءُ المُجمَل، وما يَليها يَعرِضُ في صَفَحاتٍ كيف يَنزَلِقُ المُسافِرُ عن الصِّراطِ وهو لا يَشعُر.


حَصيلة

تَصِفُ الآيةُ الصِّراطَ الذي طُلِبَ في السّابِقةِ بِأهلِه، وهُم مَن سَبَقَ عَلَيه، لا بِعَلاماتِه الجُغرافيّة، والكِتابُ يُعَرِّفُ الطَّريقَ بِسالِكيه، لأنَّ الصِّراطَ مَسيرةٌ تُعاش، وليسَ لَوحةً تُعَلَّق، وهو يُرى مِن داخِلِ الخَطوةِ لا مِن عَلٍ. ثُمَّ تُضافُ إلى التَّعريفِ الإيجابيِّ قَرينَتانِ سَلبيّتان: «غيرِ المَغضوبِ عَلَيهِم ولا الضالّين». والثَّلاثيّةُ تَصِفُ حالاتٍ ثَلاثاً تَقَعُ مِن أيِّ إنسانٍ في أيِّ زَمَن، ولا تُسَمّي أُمّةً ولا قَوماً بِعَينِه. والجِذرُ غ-ض-ب يَدُلُّ على الانتِفاخِ والشِّدّةِ مَعَ حَرارة، والغَضَبُ كَظَيظانُ ما يَغلي، ويَقَعُ في اللِّسانِ على مَن عَرَفَ فحادَ فاستَجلَب، دونَ مَن جَهِل. و«ضَلَّ» في الجِذرِ فُقدانُ الطَّريقِ والاختِفاء («ضَلَّ الماءُ في اللَّبَن»)، والضّالُّ مَن طَلَبَ فلَم يَقَع، لا مَن صَدّ. وثَلاثُ مَواقِفَ يَرسُمُها الصِّراط: مَن هُدِيَ فسارَ (مُنعَمٌ عَلَيه)، ومَن عَرَفَ فتَرَكَ (مَغضوبٌ عَلَيه)، ومَن طَلَبَ فضاعَ (ضالّ)، والقارئُ يَطلُبُ أن يَكونَ مِنَ الأُولى، وأن يُعصَمَ مِنَ الأُخرَيَين. وهكَذا تَكتَمِلُ سَبعُ الفاتِحةِ في أدَبِ الدُّعاءِ كُلِّه: ثَلاثٌ ثَناءٌ، فواحِدةٌ انعِقادُ نِسبة، فثَلاثٌ طَلَب، فيَنغَلِقُ المَدخَلُ على القارئِ مَفتوحاً على البَقَرةِ التي تَعرِضُ في صَفَحاتٍ ما طَلَبَتهُ الفاتِحةُ في كَلِمات.