آل عمران · الآية 133

﴿۞ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

۞ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ

«وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ»: الأمرُ يَفتَحُ مَجرى السَّبق

تَعطِفُ الواوُ حركةً جديدةً على الطاعةِ السابقة، ويأتي الأمرُ الجمعيُّ «سارعوا» فلا يَطلُبُ انتظاراً ساكناً. السُّرعةُ من س-ر-ع حَصرٌ يَجري في مَجرىً دقيقٍ ثمّ يَظهَرُ دَفعُه من العُمق، وصيغةُ المفاعلةِ تُدخِلُ المخاطَبينَ في سَعيٍ نشِط. وحرفُ «إلى» يَمنحُ الحركةَ وِجهةً هي مغفرةٌ آتيةٌ «من ربّكم». فالمصدرُ والعلاقةُ ملفوظان.

«وَجَنَّةٍ»: السِّترُ لا يَنفَصِلُ عن المَأوى

تَعطِفُ الواوُ «جنّة» على «مغفرة»، فيَصيرُ للسَّبقِ مقصدانِ مربوطانِ في تركيبٍ واحد. المغفرةُ من غ-ف-ر غَورٌ باطنٌ يَنفتِحُ بنفاذٍ ثمّ يَجري ساتراً، أمّا الجنّةُ من ج-ن-ن فاجتماعٌ يَدخُلُ احتباساً في الجوفِ ويُكثِّفُه تَكرارُ النون. الأولى فعلٌ يَسترُ، والثانيةُ حَيِّزٌ مَستور. ولا تُضيفُ الآيةُ هنا ثماراً أو أنهاراً أو أوصافاً أخرى.

«عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ»: السَّعةُ تُقاسُ باللَّفظِ نفسِه

تأتي جملةُ «عرضها السماوات والأرض» وصفاً للجنّة. العَرضُ من ع-ر-ض ظُهورٌ من العُمقِ يَجري ثمّ يَضمُّه لقاءٌ ثقيل، فيَرسُمُ امتداداً مَبسوطاً قابلاً لأن يُعرَض. يَنسُبُ الضميرُ هذا العَرضَ إلى الجنّة، ثمّ يَجعَلُ السماواتِ والأرضَ خبرَه. لا تَمنحُ الجملةُ عدداً ولا وحدةَ قياسٍ ولا رسماً كونيّاً؛ إنّما تَضعُ أوسعَ ما سمّاه الخِطابُ في تركيبِ سَعتها، فيَبقى الوصفُ عند حدِّه.

«أُعِدَّتْ»: الجَنّةُ مُهَيَّأةٌ قبلَ الوُصول

تَعودُ «أُعدّت» بضميرِ التأنيثِ إلى الجنّة. يَبدأُ ع-د-د بظهورٍ يَندفعُ نحو مقصد، ثمّ تَضغطُ الدالُ الحركةَ في ثباتٍ ويُضاعفُ تكرارُها إحكامَ التهيئة. البناءُ للمجهولِ يَضعُ الجنّةَ في موضعِ ما تلقّى الإعدادَ، والماضي يَسبقُ مسارعةَ المخاطَبين إلى الغاية: هم يَسرعونَ الآن نحوَ مأوى قد استقرَّ لهم مُهيّأً.

«لِلْمُتَّقِينَ»: أَهلُ الوِقايةِ أَهلُ المَأوى

تَربِطُ اللّامُ الجنّةَ المُعدّةَ بالمتّقين. يَصنعُ و-ق-ي وصلاً يَلتفُّ على صاحبه، ثمّ يَعقدُه في العمقِ ويَمدُّه في الطريقِ صيانةً واعية. وصيغةُ الافتعالِ تَجعلُ الصَّونَ فعلاً يَدخلُ فيه صاحبُه عامداً، أمّا الجمعُ فيُرينا أهلَه وهم يَثبتونَ عليه معاً. وهكذا يَتَّصلُ آخرُ الآيةِ بأوّلِ المقطع: المسارعةُ إلى الجنّةِ ليست طلبَ مأوى فحسب، بل استمرارُ حركةِ الوِقايةِ حتى تَبلغَ ما أُعدَّ لأهلها.


حَصيلة

تُحوِّلُ الآيةُ الطاعةَ إلى سَبقٍ ذي وِجهة. المقصدُ مغفرةٌ مصدرُها الربُّ وجنّةٌ يَجمعُ اسمُها الاحتواءَ والسِّتر، ويَصفُ النصُّ عرضَها بالسماواتِ والأرضِ من غير حسابٍ أو صورةٍ زائدة. الماضيُ المبنيُّ للمجهولِ يُثبِتُ إعدادَها، واللّامُ تَصلُها بالمتّقينَ بوصفِهم أصحابَ وِقايةٍ مستمرّة. فالمسارعةُ ليست اندفاعاً بلا مقصد؛ إنّها حركةٌ من الطاعةِ إلى السِّترِ المُعَدِّ لأهلِ الصَّون.