آل عمران · الآية 17

﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ

«الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ»: ثَباتُ الوِعاءِ ومُطابَقةُ الدَّاخِلِ للخارِج

تَستَأنِفُ الآيةُ وَصفَ أصحابِ الدُّعاء، وتَنصِبُ الصِّفاتِ الخَمسَ في سِلكٍ واحد، أوَّلُها «الصابرين». والصَّبرُ من ص-ب-ر، وأصلُه صَلابةٌ تَتَمَسَّكُ بمَوضِعِها ثمَّ يَجري تَماسُكُها ويَتَكَرَّر، فهو إمساكٌ فاعِلٌ لوِعاءِ النَّفسِ تحتَ الضَّغطِ حتى لا يَنسَكِبَ اتِّجاهُه، وليسَ سُكوناً مَيِّتاً.

ثمَّ «الصادقين»، والصِّدقُ من ص-د-ق: صَلابةٌ تُضبَطُ وتَثبُتُ ثمَّ تُحكَمُ عندَ حَدٍّ لا يَنشَقُّ، فالصادقُ لا يَترُكُ فَجوةً بينَ ما في باطِنِه وما يَخرُجُ منه. والصَّبرُ يَحفَظُ البِنيةَ من الانفِلات، والصِّدقُ يَحفَظُها من الانقِسام.

«وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ»: اتِّجاهٌ يَثبُتُ وعَطاءٌ يَنفُذ

والقُنوتُ من ق-ن-ت، ومَعناه أمرٌ مَعقودٌ في الباطِنِ يُطبَقُ عَلَيه، وهو وُقوفٌ في الطاعةِ يَصِلُ الباطِنَ بالفعل. وجاءَ اسمُ الفاعِلِ «القانتين» ليَجعَلَ هذا الوُقوفَ طبيعةً عامِلةً مُستَمِرّة، لا لَحظةً عابِرة.

والإنفاقُ من ن-ف-ق: انبِعاثٌ يَتَفَرَّقُ وينفُذُ ثمَّ يُحكِمُ خُروجَه، والمُنفِقُ يَجعَلُ لِما وَصَلَ إليه مَعبَراً إلى غيرِه ولا يَحبِسُه، وصيغةُ اسمِ الفاعِلِ تُثبِتُ طبيعةً مُستَمِرّةً في التَّمرير. فالقُنوتُ يَمنَعُ القلبَ من مُغادَرةِ مَركَزِه، والإنفاقُ يَمنَعُ العَطاءَ من أن يَتعَفَّنَ في مَركَزٍ مُغلَق.

«وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ»: طَلَبُ السِّترِ عندَ حَدِّ انكِشافِ النُّور

والاستِغفارُ طَلَبُ الغُفران، والغُفرانُ من غ-ف-ر، وهو سِترٌ عَميقٌ يَنفُذُ في مَوضِعِ الخَلَلِ ثمَّ يَجري مُتَجَدِّداً. وصيغةُ الاستِفعالِ تَكشفُ افتِقارَ المُستَغفِر، فهو يَطلُبُ سِتراً يُصلِحُ انكِشافَه، ولا يَدَّعي أنَّه يَستُرُ نَفسَه بنَفسِه.

وخُصَّ الطَّلَبُ «بالأسحار»، والسَّحَرُ من س-ح-ر: امتِدادٌ يَسري في حَياةٍ مُحتَواةٍ ثمَّ يَجري مُتَكَرِّراً، وهو الحَدُّ الخَفيُّ الذي يَنتَقِلُ فيه الليلُ نحوَ انكِشافِ الصُّبح. وعندَ هذا السُّكونِ يَعودُ صاحِبُ الصِّفاتِ إلى طَلَبِ السِّتر، ولا يَغيبُ في دَعوى الصَّبرِ والصِّدقِ والقُنوتِ والإنفاق، وخِتامُ القائمةِ بالاستِغفارِ يَحفَظُها من الإعجابِ بالنَّفس.


حَصيلة

تَرسُمُ الصِّفاتُ الخَمسُ بِنْيةً واحدة: الصَّبرُ يُمسِكُ الوِعاء، والصِّدقُ يَمنَعُ انقِسامَه، والقُنوتُ يُثبِّتُ اتِّجاهَه، والإنفاقُ يَفتَحُ منه مَعبَراً إلى الغَير، والاستِغفارُ يَمنَعُه من ادِّعاءِ الاكتِمال. وتَتَكَرَّرُ الواوُ بينَها فلا تَسمَحُ لواحدةٍ أن تَقومَ مَقامَ الباقي، فمَن يَثبُتُ ولا يَصدُقُ يَتحَجَّر، ومَن يَصدُقُ ولا يُنفِقُ يَبقى أَثَرُه مَحبوساً، ومَن يَجمَعُها كُلَّها يَظلُّ عندَ السَّحَرِ طالِباً للسِّتر.