آل عمران · الآية 19

﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ

«إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ»: رِباطٌ يَبلُغُ السَّلامةَ بالتَّسليم

تَفتَحُ «إنَّ» الجُملةَ بالتَّأكيد، ويَأتي «الدِّين» اسماً لها. والدِّينُ من د-ي-ن، وأصلُه احتِباسٌ ثابِتٌ يَطولُ ثمَّ يَنبَعِثُ أَثَرُه من الباطِن، فهو رِباطٌ يَنتَظِمُ فيه العَمَلُ والجَزاءُ والمَرجِع، وليسَ لافِتةً مُنفَصِلةً عن الفِعل. و«عند الله» تَضَعُ مِعيارَ هذا الرِّباطِ عندَ المَصدَر، لا عندَ تَسميةِ الجماعةِ لِنَفسِها.

وخبرُ الجُملةِ «الإسلام»، والجذرُ س-ل-م يَجمَعُ سَرياناً يَتَعَلَّقُ ويَمتَدُّ ثمَّ يَلتَئِمُ في كُلٍّ واحد. فالسَّلامةُ خُروجٌ من التَّشَظّي، والتَّسليمُ تَركُ المُقاوَمةِ للمَصدَرِ حتى تَلتَئِمَ الوِجهة. والآيةُ تَجعَلُ الرِّباطَ المقبولَ فِعلَ استِسلامٍ يُعيدُ البِنيةَ إلى سَلامَتِها، ولا تَصوغُ بطاقةَ هُويّة.

«وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ...»: الانقِسامُ جاءَ بعدَ الانكِشاف

والاختِلافُ من خ-ل-ف: تَخَلخُلٌ يَمتَدُّ ويتَعَلَّقُ ثمَّ يَنفُذُ مُفَرِّقاً، فيَصيرُ كُلُّ طَرَفٍ خَلفَ جهةٍ غيرِ الجهةِ التي صارَ وراءَها الآخر. وصيغةُ الافتِعالِ تَجعَلُ التَّباعُدَ فِعلاً تَداخَلَت فيه الذَّوات، لا واقِعاً هَبَطَ عليها بلا مُشارَكة.

وتَنفي الآيةُ أن يكونَ الاختِلافُ سابِقاً على المَعرِفة: «إلا من بعد ما جاءهم العلم». والعِلمُ من ع-ل-م، وهو ظُهورٌ من عُمقٍ يَمتَدُّ ويتَعَلَّقُ ثمَّ يَتَجَمَّعُ في صاحِبِه. وقد جاءَهم الانكِشافُ ثُمَّ وَقَعَ الانقِسام، فالآيةُ تُؤَرِّخُ الاختِلافَ بما بعدَ العِلم، وتَجعَلُ حُضورَ الانكِشافِ سابِقاً على الانقِسامِ في الجُملةِ نَفسِها.

«بَغْيًا بَيْنَهُمْ»: المَعرِفةُ حينَ تَدخُلُها إرادةُ الاستِعلاء

ويَكشِفُ المَصدَرُ «بغياً» الدَّافِعَ الدَّاخليّ. والبَغيُ من ب-غ-ي، ومَعناه اتِّصالٌ يَتمَسَّكُ بغَورٍ ساتِرٍ ثمَّ يَمتَدُّ طالباً ما وراءَ حَدِّه، فهو طَلَبٌ يَخرُجُ من مَوضِعِه فيَصيرُ تَجاوُزاً واستِعلاء. و«بينهم» تَجعَلُ هذا البَغيَ حَرَكةً في الفَضاءِ الذي كانَ يَنبَغي أن يَصِلَهم.

والآيةُ تَكشِفُ إمكانَ استعمالِ العِلمِ داخِلَ مُنافَسةٍ، دونَ أن تَذُمَّه، فحينَ يَصيرُ الانكِشافُ مادّةً للامتِلاك يَنقَلِبُ ما كانَ يُفتَرَضُ أن يَجمَعَ إلى حُدودٍ تُفَرِّق. وتأتي هذه الصورةُ بعدَ آيةِ الشَّهادةِ بالقِسط، فيَظهَرُ الفَرقُ بينَ عِلمٍ يَشهَدُ للمِيزانِ وعِلمٍ يَدخُلُه البَغي.

«وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ...»: تغطيةُ العَلاماتِ لا تُلغِي الحِساب

والكُفرُ تغطية، والآياتُ عَلاماتٌ تَدُلُّ وتَصِلُ المَرئيَّ بمَصدَرِه، ومَن يُغطِّي العلامةَ يَمنَعُ نَفسَه من قِراءةِ اتِّجاهِها، ولا يُعدِمُها. والفاءُ في «فإنَّ الله» تَربِطُ التَّغطيةَ بجَوابِها من غيرِ مَسافةٍ مُوهِمةٍ بالإفلات.

والحِسابُ من ح-س-ب: احتواءٌ حَيٌّ يَمتَدُّ في سَريانٍ ثمَّ يَتَّصِلُ ويَتمَسَّكُ بِكُلِّ عُنصُر، أي جَمعٌ يَضُمُّ الأفعالَ إلى نَتيجتِها بلا ضَياع. ووَصفُه بالسُّرعةِ لا يَترُكُ للبَغيِ أو التَّغطيةِ مُهلةً تُخرِجُهما من المِيزان، فما تَفَرَّقَ في الوَهمِ يَجتَمِعُ في الحِساب.


حَصيلة

الدِّينُ عندَ اللهِ رِباطٌ يَظهَرُ في الإسلام، وهو تَسليمٌ يَخرُجُ بالبِنيةِ من التَّشَظّي إلى السَّلامة. وفي المُقابِلِ تَعرِضُ الآيةُ بِنْيةَ الاختِلافِ بعدَ العِلم: جاءَ الانكِشاف، ثُمَّ دَخَلَه البَغيُ بينَ حَمَلتِه، فانقَلَبَ مجالُ الصِّلةِ إلى حُدودٍ مُتنازِعة. ومَن يُغطِّي الآياتَ لا يُلغِي اتِّجاهَها، لأنَّ الحِسابَ يَجمعُ ما فَرَّقَه البَغي، وبهذا يَقفُ الإسلامُ والاختِلافُ على طَرَفَين: التِئامٌ بالتَّسليم، وتَشَظٍّ بطَلَبِ التَّفوُّق.