النساء · الآية 121

﴿أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا

«أُولَٰئِكَ»: إشارةٌ بَعيدةٌ تَجمَعُ مَن سَبَق

تَبدَأُ الآيةُ بِاسمِ إشارةٍ لِلبَعيد: «أولئك»، يَجمَعُ مَن تَقَدَّمَ ذِكرُهُم ويَضَعُهُم في مَوضِعٍ واحِدٍ لِيُحكَمَ عَلَيهِم. وأقرَبُ مَذكورٍ إلَيه الضَّميرُ «هُم» في «يَعِدُهُم ويُمَنّيهِم» في الآيةِ العِشرينَ بَعدَ المِئة، ويَحتَمِلُ أن يَبلُغَ مَن ذُكِروا قَبلَه: مَن يَتَّخِذُ الشَّيطانَ وَلِيّاً في الآيةِ التّاسِعةَ عَشرةَ بَعدَ المِئة، والذينَ يَدعونَ من دونِه إناثاً في الآيةِ السّابِعةَ عَشرةَ بَعدَ المِئة. والآيةُ تَترُكُ مَدى الإشارةِ مَفتوحاً، وتُوقِعُ الحُكمَ على مَن جَمَعَتهُم.

«مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ»: مَوضِعٌ يَنضَمّونَ إلَيه

والمَأوى من أ-و-ي، والجِذرُ ضَمٌّ يُحيطُ بِالمَضمومِ ويَدومُ عَلَيه، فالمَأوى مَوضِعٌ يَنتَهي إلَيه المَرءُ فيَحتَويه، وهو اسمٌ لِما يُلجَأُ إلَيه ويُسكَنُ فيه. وجاءَ الخَبَرُ عن «مَأواهُم» اسماً مُعَيَّناً: «جَهَنَّم»، فالمَوضِعُ الذي يَنضَمّونَ إلَيه في آخِرِ الأمرِ مُسَمّىً بِاسمِه، بَعدَ آياتٍ تَصِفُ ما سَلَكوه إلَيه: دُعاءٌ لِما دونَ الله، ووَلِيٌّ من دونِه، وأمانيُّ ووُعودٌ لا مَضمونَ لَها.

ولا تَرِدُ «أولئك مَأواهُم جَهَنَّمُ» في الكِتابِ إلّا في مَوضِعَين، كِلاهُما في هذه السّورة: هُنا، وفي الآيةِ السّابِعةِ والتِّسعينَ مَقرونةً بِالفاء، وقد خُتِمَت هُناكَ بِذَمِّ المَصير: «وساءَت مَصيراً»، وتُختَمُ هُنا بِنَفيِ المَحيص. فالحُكمُ هُناكَ يُثبِتُ سوءَ ما يُنتَهى إلَيه، والحُكمُ هُنا يُغلِقُ ما يُخرَجُ بِه مِنه.

«وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا»: لِقاءٌ مَنفِيٌّ بَعدَ وُعود

ثُمَّ «ولا يَجِدونَ عَنها مَحيصاً». والوُجودُ من و-ج-د، لِقاءٌ يَنعَقِدُ على المَطلوبِ بَعدَ طَلَب، و«لا» تَنفي هذا اللِّقاءَ في مُضارِعٍ مَفتوحٍ على ما يَأتي. وقد وُعِدوا في الآيةِ العِشرينَ بَعدَ المِئةِ بِآتٍ، فجاءَ ما يَلقَونَه مَنفِيّاً: لا يَلقَونَ شَيئاً يَعدِلونَ بِه. والسّورةُ تُديرُ هذا الفِعلَ في هذا المَقطَعِ على ما يَلقاه المَرءُ عاقِبةً لِما فَعَل: في الآيةِ العاشِرةِ بَعدَ المِئةِ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ لِمَن يَستَغفِر، وفي الثّالِثةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئةِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ لِمَن يَعمَلُ سوءاً.

والمَحيصُ من ح-ي-ص، والجِذرُ عُدولٌ يَنسَلُّ بِه المَرءُ من ضيقٍ إلى جِهةٍ أُخرى: «حاصَ عَنه» عَدَلَ وحاد، و«المَحيصُ» المَعدِلُ والمَهرَب، و«وَقَعوا في حَيصَ بَيصَ» في ضيقٍ لا مَخرَجَ مِنه. و«عَنها» تُعَيِّنُ ما يُعدَلُ عَنه، و«مَحيصاً» نَكِرةٌ في سِياقِ النَّفيِ فتَعُمُّ كُلَّ مَعدِل. فالآيةُ تَجمَعُ طَرَفَين: مَأوىً يَضُمُّهُم إلَيه، ولا جِهةَ يَنسَلّونَ إلَيها مِنه.

ويَرِدُ «مَحيص» في الكِتابِ خَمسَ مَرّات، هذا المَوضِعُ وَحدَه يَقَعُ عَلَيه الفِعلُ مَنصوباً، والأربَعةُ الأُخرى مَجرورةٌ بِـ«مِن» في سُؤالٍ أو نَفي، ومِنها مَوضِعٌ يَجتَمِعُ فيه المَدعُوُّ والضَّلالُ والمَحيص: وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾، فما كانوا يَدعونَه يَغيبُ عَنهُم هُناكَ بِالجِذرِ نَفسِه الذي أقسَمَ عَلَيه الشَّيطانُ في هذا المَقطَع: «لَأُضِلَّنَّهُم»، ثُمَّ لا يَبقى لَهُم مَعدِل.


حَصيلة

تَجمَعُ الآيةُ بِـ«أولئك» مَن سَبَقَ ذِكرُهُم، أقرَبُهُم مَن يَعِدُهُمُ الشَّيطانُ ويُمَنّيهِم، ومَداها مَفتوحٌ على مَن ذُكِروا قَبلَهُم، وتَجعَلُ مَأواهُم، من أ-و-ي، مَوضِعَ الانضِمامِ الذي يَنتَهونَ إلَيه، جَهَنَّم، بِعِبارةٍ لا تَرِدُ في الكِتابِ إلّا هُنا وفي الآيةِ السّابِعةِ والتِّسعين. ثُمَّ تَنفي أن يَلقَوا، من و-ج-د، مَحيصاً، من ح-ي-ص، مَعدِلاً يَنسَلّونَ بِه من ضيقِه، فبَعدَ وَعدٍ بِآتٍ يَكونُ ما يَلقَونَه نَفياً عامّاً لِكُلِّ مَخرَج، والسّورةُ تُديرُ فِعلَ الوُجودِ في هذا المَقطَعِ على ما يَلقاه المَرءُ عاقِبةً لِفِعلِه.