النساء · الآية 120

﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا

«يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ»: القَسَمُ يَصيرُ عَمَلاً جارِياً

بَعدَ أن حُكِمَ في آخِرِ الآيةِ التّاسِعةَ عَشرةَ بَعدَ المِئةِ على مَن يَتَّخِذُ الشَّيطانَ وَلِيّاً، تَعودُ هذه الآيةُ إلى الشَّيطانِ نَفسِه فتَصِفُ ما يَفعَلُه: «يَعِدُهُم ويُمَنّيهِم». والفِعلانِ مُضارِعانِ خالِيانِ من لامِ القَسَمِ ونونِه، فما كانَ قَسَماً على المُستَقبَلِ في «لَأُمَنِّيَنَّهُم» صارَ هُنا عَمَلاً جارِياً يُخبَرُ عَنه. والضَّميرُ «هُم» يَعودُ على مَن جَرى ذِكرُهُم في قَسَمِه وفي الحُكمِ الذي تَلاه، والعِبارةُ تَترُكُ حَدَّهُم على اتِّساعِه.

وفي الآيةِ فِعلٌ لم يَكُن في القَسَم: «يَعِدُهُم». والوَعدُ من و-ع-د، والجِذرُ كَلِمةٌ تُمسَكُ ثُمَّ تُدفَعُ إلى وَقتٍ آتٍ، فهو تَرجيةٌ بِالقَول، يَعقِدُ بِها الواعِدُ نَفسَ السّامِعِ على أمرٍ لم يَأتِ. و«يُمَنّيهِم» من م-ن-ي على «فَعَّلَ»، يَبعَثُ فيهِم صُوَراً يَشتَهونَها ويَمُدّونَ إلَيها رَغبَتَهُم، فالوَعدُ يُعطيهِم كَلِمةً عن آتٍ، والتَّمنِيةُ تُعطيهِم صورةَ ذلك الآتي في أنفُسِهِم. وقد نَهَتِ الآيةُ الثّانيةُ والثَّلاثونَ عن أُمنيّةٍ يَعقِدُها المَرءُ بِما في يَدِ غَيرِه، وهذه أمانِيُّ يَصنَعُها في المَرءِ غَيرُه.

«وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا»: وَعدٌ يَنتَهي إلى الغُرور

ثُمَّ يُعادُ الفِعلُ في جُملةٍ ثانِية: «وما يَعِدُهُمُ الشَّيطانُ إلّا غُروراً»، ويُذكَرُ فيها الفاعِلُ بِاسمِه الظّاهِرِ حيثُ كانَ الضَّميرُ يَكفي، فيَقَعُ الحُكمُ على الاسمِ نَفسِه. و«ما ... إلّا» تَحصُرُ الوَعدَ في شَيءٍ واحِد، فلا مَضمونَ لَه سِوى الغُرور. والغُرورُ من غ-ر-ر، حَقيقةٌ تَجري غائرةً تَحتَ ظاهِرٍ لَيِّنٍ يُطمِع، ومنه «الغِرّةُ» الغَفلة، و«الغِرُّ» مَن لم يُجَرِّبِ الأمور، و«غَرَّه» أطمَعَه بِالباطِلِ حتّى خَدَعَه. و«غُروراً» بَعدَ «إلّا» يَقَعُ في مَوضِعِ ما يُوعَدُ بِه، أو يَصِفُ الوَعدَ نَفسَه: وَعداً غُروراً، وعلى الوَجهَينِ يَنتَهي الوَعدُ إلى الغُرور.

وتَرِدُ هذه الجُملةُ بِلَفظِها في الكِتابِ مَرَّتَين: هُنا، وبَعدَ أمرٍ يُوَجَّهُ إلى الشَّيطانِ في مَوضِعٍ آخَر: وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. وقد قالَتِ السّورةُ في الآيةِ السّادِسةِ والسَّبعين: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾، فتَدبيرُه ضَعيفٌ هُناك، ووَعدُه هُنا خالٍ من المَضمون. ويَجتَمِعُ الجِذرانِ م-ن-ي وغ-ر-ر في مَوضِعٍ آخَرَ من الكِتاب: وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾، فالأمانيُّ نَفسُها هُناكَ هي التي تَغُرّ.

ويَتلو هذه الآيةَ ما يُقابِلُها من الجِهَتَين: في الآيةِ الثّانيةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئةِ وَعدٌ يُسنَدُ إلى الله: «وَعدَ اللهِ حَقّاً»، وفي الثّالِثةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئةِ يَعودُ الجِذرُ م-ن-ي جَمعاً: لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، ثُمَّ يُجعَلُ الجَزاءُ لِلعَمَل: «مَن يَعمَلْ سوءاً يُجزَ بِه». فالسّورةُ تَضَعُ بِإزاءِ وَعدِ الشَّيطانِ وَعداً حَقّاً، وبِإزاءِ الأمانيِّ عَمَلاً يُجزى بِه صاحِبُه.


حَصيلة

تَرجِعُ الآيةُ إلى الشَّيطانِ فتَصِفُ عَمَلَه الجاري: يَعِدُ، من و-ع-د، كَلِمةً تُعقَدُ على آتٍ لم يَأتِ، ويُمَنّي، من م-ن-ي، صُوَراً يَبعَثُها في غَيرِه تَمتَدُّ إلَيها رَغبَتُه، فما أقسَمَ عَلَيه صارَ فِعلاً، وزادَ عَلَيه الوَعد. ثُمَّ تَحصُرُ وَعدَه، وقد سَمَّتهُ بِاسمِه، في الغُرور، من غ-ر-ر، حَقيقةٍ غائرةٍ تَحتَ ظاهِرٍ لَيِّنٍ يُطمِع، والجُملةُ تَرِدُ بِلَفظِها مَرّةً أُخرى في الكِتاب، وتُجاوِرُ ما قالَتهُ السّورةُ في ضَعفِ كَيدِه. وتَأتي بَعدَها آيَتانِ تُقابِلانِها: وَعدٌ من اللهِ حَقّ، ونَفيٌ لِلأمانيِّ يُجعَلُ فيه الجَزاءُ لِلعَمَل.