النساء · الآية 122

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا

«وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ»: صَدرٌ يُعادُ بِلَفظِه في مَقامٍ آخَر

تَعطِفُ الواوُ فَريقاً على الفَريقِ الذي خُتِمَ أمرُه في الآيةِ الحادِيةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئة: «أولئك مَأواهُم جَهَنَّم»، ثُمَّ «والذينَ آمَنوا وعَمِلوا الصّالِحات». وصَدرُ هذه الآيةِ إلى «أبَداً» يُعيدُ بِلَفظِه صَدرَ الآيةِ السّابِعةِ والخَمسين، غَيرَ أنَّ المَقامَ تَغَيَّر: هُناكَ جاءَ بَعدَ وَعيدِ الذينَ كَفَروا بِالآيات، وهُنا يَأتي بَعدَ وَعدِ الشَّيطانِ وأمانيِّه، وبَعدَ مَأوىً لا مَحيصَ عَنه. ويُزادُ عَلَيه هُنا ما لم يَكُن هُناك، وهو ما يُقابِلُ الوَعدَ الذي سَبَقَه: «وَعدَ اللهِ حَقّاً، ومَن أصدَقُ مِنَ اللهِ قيلاً».

والذينَ آمَنوا أعطَوا ثِقَتَهُم فأمِنوا، من أ-م-ن، والثِّقةُ في هذا المَقطَعِ تُقابِلُ ما عُقِدَ على وَعدٍ لا مَضمونَ لَه. والصّالِحاتُ من ص-ل-ح، ما يُرَدُّ بِه الشَّيءُ إلى استِقامَتِه وتَماسُكِ أجزائه. وقد أقسَمَ الشَّيطانُ في الآيةِ التّاسِعةَ عَشرةَ بَعدَ المِئةِ على أمرٍ يَجعَلُ الشَّيءَ غَيرَ ما كان: «فلَيُغَيِّرُنَّ خَلقَ الله»، فيَقِفُ في هذه الآيةِ عَمَلٌ يَرُدُّ الأشياءَ إلى تَماسُكِها قُبالةَ أمرٍ يُحيلُها عن حالِها. ويُقابِلُ الإدخالُ في «سَنُدخِلُهُم» المَأوى في الآيةِ الحادِيةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئة: أولئك لا يَجِدونَ عن مَأواهُم مَعدِلاً، وهؤلاءِ يَخلُدونَ في جَنّاتِهِم أبَداً، فالآيَتانِ تَتَقابَلانِ في المَوضِعِ الذي يُنتَهى إلَيه، وفي البَقاءِ فيه.

«وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا»: وَعدٌ يَثبُتُ في مَقَرِّه

ثُمَّ «وَعدَ اللهِ حَقّاً»، مَصدَرانِ مَنصوبانِ طُوِيَ فِعلاهُما. فـ«وَعدَ الله» يُسَمّي ما قَبلَه وَعداً، إذ الإدخالُ في «سَنُدخِلُهُم» خَبَرٌ عن آتٍ يُعقَدُ عَلَيه رَجاءُ السّامِعين، فهو يُؤَكِّدُ الجُملةَ بِما هو مَعناها. و«حَقّاً» يُثبِتُ لِهذا الوَعدِ ما قد يَفوتُ الوُعود: أن يَثبُتَ في مَقَرِّه فلا يَتَزَحزَح، والحَقُّ من ح-ق-ق، ثُبوتُ الشَّيءِ في مَقَرِّه. فالمَصدَرُ الأوَّلُ يَقولُ «هذا وَعد»، والثّاني يَقولُ «وهو ثابِت».

وبِهذا يَقِفُ وَعدٌ قُبالةَ وَعد: في الآيةِ العِشرينَ بَعدَ المِئةِ «وما يَعِدُهُمُ الشَّيطانُ إلّا غُروراً»، وهُنا «وَعدَ اللهِ حَقّاً»، والجِذرُ و-ع-د يَتَرَدَّدُ في الآيَتَينِ ثَلاثَ مَرّات، وتَنتَهي كُلٌّ من الجُملَتَينِ بِمَصدَرٍ مَنصوبٍ يَحكُمُ على الوَعد: «غُروراً» هُناك، و«حَقّاً» هُنا. وقد جَمَعَ الكِتابُ الوَعدَينِ على لِسانِ الشَّيطانِ نَفسِه في مَوضِعٍ آخَر: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾.

«وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا»: قَولٌ يُختَمُ بِه ما افتَتَحَه قَولٌ آخَر

وتُختَمُ الآيةُ بِاستِفهامٍ جَوابُه مَعلومٌ قَبلَ أن يُسأَل: «ومَن أصدَقُ مِنَ اللهِ قيلاً». والصِّدقُ من ص-د-ق، صَلابةٌ يُعقَدُ فيها ظاهِرُ القَولِ على باطِنِه فلا يَنثَني عَنه، و«أصدَقُ» على «أفعَلَ» لِلمُفاضَلة، و«قيلاً» يُعَيِّنُ الجِهةَ التي يَقَعُ فيها التَّفاضُل. والقيلُ من ق-و-ل، مَصدَرٌ كالقَولِ والقال، وأصلُه «قِوْلٌ» صارَت واوُه ياءً لِكَسرةِ ما قَبلَها. وهذا الاستِفهامُ بِلَفظِه لا يَجيءُ في غَيرِ هذه السّورة، وقد جاءَ فيها مَرَّتَين: في الآيةِ السّابِعةِ والثَّمانينَ مُمَيَّزاً بِـ«حَديثاً»، وهُنا مُمَيَّزاً بِـ«قيلاً».

وبَينَ «حَديثاً» و«قيلاً» فَرقُ المَقام: هُناكَ جاءَ السُّؤالُ بَعدَ قَسَمٍ على جَمعِ النّاسِ إلى يَومِ القِيامة، والحَديثُ خَبَرٌ عن أمرٍ يَحدُث، وهُنا يَأتي بَعدَ مَقطَعٍ افتُتِحَ فيه كَلامُ الشَّيطانِ بِالجِذرِ نَفسِه: «وقالَ لَأَتَّخِذَنَّ من عِبادِكَ نَصيباً مَفروضاً». فالقَولُ الذي أقسَمَ بِه الشَّيطانُ على الأخذِ والإضلالِ والأماني، يُقابِلُه في آخِرِ المَقطَعِ قَولُ الله، ويُسأَلُ عَمَّن يَكونُ أصدَقَ مِنه قيلاً.


حَصيلة

تَضَعُ الآيةُ الذينَ آمَنوا وعَمِلوا الصّالِحاتِ قُبالةَ الذينَ مَأواهُم جَهَنَّم، بِصَدرٍ يُعيدُ لَفظَ الآيةِ السّابِعةِ والخَمسينَ إلى «أبَداً»، والصّالِحاتُ من ص-ل-ح تَرُدُّ الأشياءَ إلى تَماسُكِها قُبالةَ أمرٍ أقسَمَ الشَّيطانُ أن يُحيلَ بِه الخَلقَ عن حالِه، والإدخالُ في الجَنّاتِ يُقابِلُ مَأوىً لا مَحيصَ عَنه. ثُمَّ تَزيدُ على ذلك الصَّدرِ «وَعدَ اللهِ حَقّاً»، مَصدَرَين: الأوَّلُ يُسَمّي ما قَبلَه وَعداً من و-ع-د، والثّاني يُثبِتُه في مَقَرِّه من ح-ق-ق، فيَقِفُ قُبالةَ وَعدِ الشَّيطانِ الذي حُصِرَ في الغُرور. وتَختِمُ بِسُؤالٍ عَمَّن هو أصدَقُ، من ص-د-ق، من اللهِ قيلاً، من ق-و-ل، الجِذرِ الذي افتُتِحَ بِه قَولُ الشَّيطانِ في هذا المَقطَع، فيُختَمُ المَقطَعُ بِقَولٍ يُقابِلُ ذلك القَول.