النساء · الآية 72

﴿وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا

«وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ»: ثِقَلٌ في داخِلِ الجَماعة

يَبقى الخِطابُ في الآيةِ مُوَجَّهاً إلى الذينَ نودوا في الآيةِ السّابِقة، والمَوصوفُ «مِنكُم»، مَعدودٌ في الجَماعةِ التي أُمِرَت بِالنَّفر. وقد شُدَّ الخَبَرُ عَنه شَدّاً مُتَتابِعاً: «إنَّ» في صَدرِه، واللّامُ في «لَمَن»، ثُمَّ لامٌ ونونٌ ثَقيلةٌ في «لَيُبَطِّئَنَّ»، فوُجودُ هذا الواحِدِ بَينَهُم، وما سيَفعَلُه، مُثبَتانِ بِتَوكيدٍ مُتَراكِب. و«مَن» اسمٌ مُبهَمٌ يَصدُقُ على كُلِّ مَن حَمَلَ الصِّفة، والضَّمائرُ والأفعالُ التي تَعودُ عَلَيه كُلُّها لِواحِد: «قالَ»، و«عَلَيَّ»، و«لم أكُن»، ثُمَّ «لَيَقولَنَّ» و«كُنتُ» في الآيةِ التّالية، فالآيَتانِ تَرسُمانِ واحِداً يُسمَعُ صَوتُه.

والبُطءُ من ب-ط-ء، نَقيضُ الإسراع، ثِقَلٌ يَنبَسِطُ على الحَرَكةِ فلا تَنهَضُ بِه. و«بَطَّأَ» بِالتَّضعيفِ يَحتَمِلُ وَجهَين: أن يَكونَ بِمَعنى «أبطَأَ»، فهو يَتَثاقَلُ ويَتَأخَّرُ بِنَفسِه، وأن يَقَعَ على غَيرِه، يُقالُ «بَطَّأَ فُلانٌ بِفُلان» إذا ثَبَّطَه عن أمرٍ عَزَمَ عَلَيه. وقد جاءَ الفِعلُ في الآيةِ بِغَيرِ مَفعول، فبَقِيَ الوَجهانِ قائمَين: ثِقَلٌ في صاحِبِه، وثِقَلٌ يُلقيه على مَن حَولَه. وهو في مَوضِعِه من الكَلامِ مُقابِلُ «انفِروا»: الآيةُ السّابِقةُ تَطلُبُ اندِفاعاً يَنشَقُّ عن المَوضِع، وهذا الواحِدُ يُثقِلُ ذلك الاندِفاع.

«فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ»: الجَماعةُ في كَلامِه «هُم»

ثُمَّ يُعَلَّقُ قَولُه على ما يَنزِلُ بِالجَماعة: «فإن أصابَتْكُم مُصيبةٌ». والإصابةُ من ص-و-ب، شَيءٌ يَنحَدِرُ من جِهَتِه حتّى يَقَعَ على مَن قُصِدَ بِه، والمُصيبةُ ما نَزَلَ على هذه الصِّفة، وقد جاءَت نَكِرةً تَصدُقُ على كُلِّ ما يَنزِلُ بِهِم من هذا الجِنس. والضَّميرُ في «أصابَتْكُم» لِلمُخاطَبين، والقائلُ مَعدودٌ فيهِم بِـ«مِنكُم»، غَيرَ أنَّ جَوابَه يَجري على لِسانِه هكذا: «إذ لم أكُن مَعَهُم»، فالجَماعةُ التي عَدَّتْه الآيةُ مِنها تَصيرُ في كَلامِه «هُم». الآيةُ تَقولُ «مِنكُم»، وهو يَقولُ «مَعَهُم»، وبَينَ الضَّميرَينِ المَسافةُ التي وَقَفَ فيها حينَ خَرَجَ غَيرُه.

«قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا»: الغِيابُ يُسَمّى نِعمة

وجَوابُ الشَّرطِ قَولٌ يُسَمّي غِيابَه نِعمة: «قد أنعَمَ اللهُ عَلَيَّ». والإنعامُ من ن-ع-م، لُطفٌ يَلينُ بِه العَيشُ ويَحتَضِنُ صاحِبَه، و«قد» مَعَ الماضي تُثبِتُ النِّعمةَ في كَلامِه أمراً واقِعاً، و«عَلَيَّ» تَقصُرُها على نَفسِه. ثُمَّ يُعَيِّنُ مَوضِعَها بِـ«إذ لم أكُن مَعَهُم شَهيداً»، والشَّهيدُ من ش-ه-د، الحاضِرُ الذي يَقَعُ الأمرُ تَحتَ حِسِّه، فالنِّعمةُ في كَلامِه أنَّه لم يَحضُر. وكَلامُه كُلُّه عن نَفسِه: نِعمةٌ عَلَيه، وغِيابٌ مِنه، والمُصيبةُ التي نَزَلَت بِالجَماعةِ قائمةٌ في شَرطِ الكَلامِ وَحدَه.

وفي هذه العِبارةِ ثَلاثُ كَلِماتٍ اجتَمَعَت في الآيةِ التّاسِعةِ والسِّتّين: فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾، وهي «مَع»، و«أنعَمَ اللهُ على»، و«الشَّهيد». هُناكَ النِّعمةُ أن يَكونَ المُطيعُ مَعَ الذينَ أنعَمَ اللهُ عَلَيهِم، وفيهِمُ الشُّهَداء، وهُنا يَعُدُّ هذا القائلُ نِعمةً أنَّه لم يَكُن مَعَ القَومِ شَهيداً. فالكَلِماتُ الثَّلاثُ نَفسُها تَعودُ في كَلامِه، والنِّعمةُ فيها مَعكوسةُ الوِجهة.


حَصيلة

تَرسُمُ الآيةُ واحِداً من المُخاطَبينَ يُثبِتُ الكَلامُ وُجودَه بِتَوكيدٍ فَوقَ تَوكيد، يُبَطِّئُ، من ب-ط-ء، فيَثقُلُ بِنَفسِه ويُثقِلُ غَيرَه، والفِعلُ يَحمِلُ الوَجهَين، ويَقِفُ بِإزاءِ «انفِروا». فإذا نَزَلَت بِالجَماعةِ مُصيبةٌ، من ص-و-ب، سَمّى غِيابَه نِعمةً من الله، وقَصَرَ النِّعمةَ على نَفسِه، وجَعَلَ الجَماعةَ التي عَدَّتْه الآيةُ مِنها «هُم». وكَلِماتُه الثَّلاث، «أنعَمَ» و«مَع» و«شَهيد»، كَلِماتُ الآيةِ التّاسِعةِ والسِّتّين، تَعودُ على لِسانِه والنِّعمةُ فيها أن يَغيبَ عن القَوم.