النساء · الآية 73

﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا

«وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ»: ما حَمَلَ المُصيبةَ يَحمِلُ الفَضل

تَعقِدُ الآيةُ الحالَ الثّانيةَ على الفِعلِ الذي عَقَدَت عَلَيه الأُولى: «أصابَتْكُم مُصيبةٌ» ثُمَّ «أصابَكُم فَضلٌ»، فما يَبلُغُ الجَماعةَ من شِدّةٍ أو زِيادةٍ يَبلُغُها من الطَّريقِ نَفسِه، ويَقَعُ عَلَيها هي. والفَضلُ من ف-ض-ل، ما يَزيدُ على الحاجةِ ويَبقى بَعدَها، وقد وُصِفَ بِأنَّه «من الله»، وهي العِبارةُ التي سُمِّيَ بِها ما انتَهى إلَيه المُطيعونَ في الآيةِ السَّبعين: ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾. هُناكَ جاءَ مُعَرَّفاً يُشارُ بِه إلى ما وُصِفَ قَبلَه، وهُنا جاءَ مُنَكَّراً يَصدُقُ على كُلِّ زِيادةٍ تَصِلُ إلى الجَماعةِ من عِندِ الله.

غَيرَ أنَّ الشَّرطَ هُنا مَعقودٌ بِقَسَم: «ولَئِن»، واللّامُ الدّاخِلةُ على «إنْ» تُؤذِنُ بِيَمينٍ مَطويّة، وجَوابُها «لَيَقولَنَّ» بِاللّامِ والنّونِ الثَّقيلة، وكانَ الشَّرطُ في الآيةِ السّابِقةِ «فإن أصابَتْكُم» بِغَيرِ قَسَم، وجَوابُه «قالَ» بِغَيرِ تَوكيد. فالقَولُ الذي يُقالُ عِندَ الفَضلِ مُقسَمٌ عَلَيه، والآيةُ تُثبِتُه أشَدَّ مِمّا أثبَتَتِ القَولَ الأوَّل.

«كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ»: عِبارةٌ تَقِفُ بَينَ القَولِ ومَقولِه

وقَبلَ أن يُحكى ما يَقولُه تَعتَرِضُ عِبارة: «كأن لم تَكُن بَينَكُم وبَينَه مَوَدّةٌ». و«كأنْ» مُخَفَّفةٌ من «كأنَّ»، تُشَبِّهُ ما يَبدو بِما يُشبِهُه، وقد وَقَعَت بَينَ «لَيَقولَنَّ» ومَقولِه، في المَوضِعِ الذي يَبدَأُ فيه الصَّوت، فهي تَصِفُ نَبرةَ الكَلامِ الآتي: كَلامَ مَن لا رِباطَ بَينَه وبَينَ مَن يَتَكَلَّمُ عَنهُم. والمَوَدّةُ من و-د-د، تَعَلُّقٌ يَنعَقِدُ على مَن يُحَبُّ ويَلزَمُه، وهي الرِّباطُ الذي يَجعَلُ ما يُصيبُ الجَماعةَ من فَضلٍ فَرَحاً لِكُلِّ مَن فيها.

وفي العِبارةِ ضَميرانِ مُتَقابِلان: «بَينَكُم» لِلمُخاطَبين، و«بَينَه» لِلقائل، فالآيةُ تَقيسُ المَسافةَ من جِهَتِها كما قاسَها هو من جِهَتِه حينَ قالَ «مَعَهُم». و«كأنْ» تُبقي ما وَراءَ التَّشبيهِ مَفتوحاً: أكانَت بَينَهُم مَوَدّةٌ فغابَت من كَلامِه، أم لم تَكُن قَطّ، والعِبارةُ تَصِفُ ما يَظهَرُ من القَولِ ساعةَ النُّطق، وتَترُكُ ما في الباطِنِ لِعِلمِ الله.

«يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا»: «مَعَهُم» تَصيرُ أُمنيّة

ثُمَّ يَأتي قَولُه: «يا لَيتَني كُنتُ مَعَهُم»، و«لَيتَ» هُنا تَمَنٍّ لِما فاتَ، و«يا» قَبلَها تَنبيهٌ يَرفَعُ الصَّوتَ بِالأُمنيّة. والكَلِمةُ التي كانَ غِيابُها نِعمةً في الآيةِ السّابِقةِ صارَت هُنا مَوضِعَ الأُمنيّة: عِندَ المُصيبةِ «إذ لم أكُن مَعَهُم»، وعِندَ الفَضلِ «يا لَيتَني كُنتُ مَعَهُم». فالمِقياسُ في الحالَينِ ما أصابَ الجَماعة، والكَلامُ في الحالَينِ عن نَفسِه، والجَماعةُ في الحالَينِ «هُم».

والفاءُ في «فأفوزَ» تَجعَلُ الفَوزَ ثَمَرةَ الكَينونةِ مَعَهُم، والفِعلُ بَعدَها مَنصوبٌ في جَوابِ التَّمَنّي. والفَوزُ من ف-و-ز، عُبورٌ يَنفُذُ حتّى يُجاوِزَ ما يَعتَرِضُه ويَبلُغَ ما طَلَب، و«فَوزاً عَظيماً» يُؤَكِّدُ الفِعلَ بِمَصدَرِه ويَصِفُه بِالعِظَم، والعِظَمُ من ع-ظ-م، جِرمٌ مُلتَحِمٌ ثَقيل. وقد سَمَّتِ السّورةُ في الآيةِ الثّالِثةَ عَشْرةَ دُخولَ المُطيعِ الجَنّاتِ «الفَوزَ العَظيم»، والعِبارةُ هُنا على لِسانِ مَن يَزِنُ الفَوزَ بِما نالَ القَومَ من فَضل. وتَعِدُ الآيةُ التّاليةُ المُقاتِلَ في سَبيلِ اللهِ «أجراً عَظيماً» قُتِلَ أو غَلَب، فالعِظَمُ هُناكَ مَعقودٌ بِالقِتالِ في السَّبيل، ثابِتٌ على العاقِبَتَينِ جَميعاً.


حَصيلة

تَعقِدُ الآيةُ الحالَ الثّانيةَ على الفِعلِ الذي عُقِدَت عَلَيه الأُولى: ما أصابَ الجَماعةَ من مُصيبةٍ في الآيةِ السّابِقة، وما يُصيبُها هُنا من فَضلٍ من الله، والفَضلُ من ف-ض-ل زِيادةٌ على الحاجة. وتُثبِتُ قَولَه في هذه الحالِ بِقَسَم، وتَضَعُ قَبلَه عِبارةً تَصِفُ نَبرَتَه: كأنَّه لا مَوَدّةَ بَينَه وبَينَ المُخاطَبين، والمَوَدّةُ من و-د-د رِباطٌ يَنعَقِدُ على المَحبوب، والآيةُ تَترُكُ مَفتوحاً أكانَت ثَمَّ مَوَدّةٌ فغابَت أم لم تَكُن. ثُمَّ يَتَمَنّى أن يَكونَ «مَعَهُم»، فالكَلِمةُ التي كانَ غِيابُها نِعمةً عِندَ المُصيبةِ صارَت أُمنيّةً عِندَ الفَضل، والفَوزُ الذي يَتَمَنّاه، من ف-و-ز، عُبورٌ إلى المَطلوبِ يَزِنُه بِما نالَ القَوم.