النساء · الآية 71

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ»: يَقَظةٌ تُمسَكُ بِاليَد

يَعودُ النِّداءُ إلى «الذينَ آمَنوا» بَعدَ مَقطَعٍ دارَ على الطّاعة، وعلى قَومٍ يَزعُمونَ الإيمانَ ويُريدونَ أن يَتَحاكَموا إلى الطّاغوت، وأوَّلُ ما يُطلَبُ مِنهُم في النِّداءِ الجَديدِ فِعلُ يَد: «خُذوا». والأخذُ من أ-خ-ذ، يَدٌ تَمتَدُّ إلى الشَّيءِ حتّى تُماسَّه وتَنالَه، وقد وَقَعَ الفِعلُ على «حِذرَكُم»، والحِذرُ من ح-ذ-ر، يَقَظةٌ حادّةٌ تَتَحَسَّسُ ما حَولَها ولا تَغفُل، ومنه «الحاذِرُ» لِلمُتَأهِّبِ المُستَعِدِّ كأنَّه يَحذَرُ أن يُفاجَأ. فالآيةُ تَجعَلُ حالاً من أحوالِ الباطِنِ شَيئاً يُتَناوَلُ ويُحمَلُ كما تُحمَلُ العُدّة، وإضافَتُه إلى ضَميرِهِم تَجعَلُه يَقَظَتَهُم هُم، في أيديهِم.

وتَعودُ العِبارةُ نَفسُها في السّورةِ في الآيةِ الثّانيةِ بَعدَ المِئة، وفيها يَقِفُ الحِذرُ إلى جانِبِ السِّلاحِ شَيئاً آخَرَ غَيرَه: وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾، فالواوُ تَعطِفُ أحَدَهُما على الآخَرِ وتَجعَلُهُما مَأخوذَينِ مَعاً. ثُمَّ تَرفَعُ تِلكَ الآيةُ الجُناحَ عن وَضعِ السِّلاحِ لِأذىً من مَطَرٍ أو لِمَرَض، وتَختِمُ ذلك بِالأمرِ الذي تَفتَتِحُ بِه هذه الآية: وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾. فالسِّلاحُ يُوضَعُ في بَعضِ الأحوال، والحِذرُ يَبقى مَأخوذاً فيها كُلِّها، وهو في لُغةِ السّورةِ غَيرُ العُدّة: يُحمَلُ مَعَها، ويَبقى في اليَدِ إذا وُضِعَت.

«فَانفِرُوا»: اندِفاعٌ يَنشَقُّ عن مَوضِعِه

ثُمَّ تَعطِفُ الفاءُ النَّفرَ على الأخذ، فالحِذرُ يُتَناوَلُ أوَّلاً، ويَأتي الخُروجُ في أثَرِه. والنَّفرُ من ن-ف-ر، أن يَنشَقَّ المَرءُ عن المَوضِعِ الذي كانَ فيه ويَندَفِعَ عَنه مُسرِعاً، ومنه «نَفَرَتِ الدّابّةُ» إذا جَفَلَت فمَضَت بَعيداً، و«النَّفيرُ» الجَماعةُ تَخرُجُ لِأمرٍ نَزَل، و«النَّفْرُ» التَّفَرُّق. فالفِعلُ يَحمِلُ صورةَ مَكانٍ يُفارَقُ بِسُرعة، ووَضعُ الحِذرِ قَبلَه يَجعَلُ هذا الاندِفاعَ مَحروساً بِاليَقَظة: خُروجٌ سَريعٌ يَخرُجُه مَن أخَذَ حِذرَه.

«ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا»: جَماعاتٌ تَتَتابَعُ أو جَماعةٌ واحِدة

و«ثُباتٍ» جَمعُ ثُبة، وهي العُصبةُ من الفُرسانِ والجَماعةُ من النّاس، يُقالُ «جاءَتِ الخَيلُ ثُباتٍ» أي قِطعةً بَعدَ قِطعة. ولامُ الكَلِمةِ حَرفُ عِلّةٍ حُذِف، تَظهَرُ ياءً في تَصغيرِها «ثُبَيّة» وفي «التَّثبية» بِمَعنى الجَمع، وتَظهَرُ واواً في قَولِهِم «ثَبَوتُ لَه خَيراً بَعدَ خَير»، والياءُ في البِناءَينِ الأوَّلَينِ لا تَقطَعُ بِشَيء، لِأنَّ الواوَ الأخيرةَ تَصيرُ فيهِما ياءً كما في «عُصَيّة» من ع-ص-و و«التَّزكية» من ز-ك-و. فآخِرُ الجِذرِ ياءٌ أو واو، ويُقرَأُ هُنا على ث-ب-ي. وفي العَرَبيّةِ ثُبةٌ أُخرى تُشبِهُها في اللَّفظ، هي ثُبةُ الحَوض، وَسَطُه الذي يَثوبُ إلَيه الماء، وهذه من ث-و-ب، ويُصَغِّرُها مَن يَرُدُّها إلى أصلِها «ثُوَيبة»، أمّا ثُبةُ الجَماعةِ فتَصغيرُها «ثُبَيّة» بِغَيرِ خِلاف. فالتَّصغيرُ يَفصِلُ بَينَ الكَلِمَتَين، والتي في الآيةِ ثُبةُ الجَماعة. وجاءَت «ثُباتٍ» جَمعاً لا يُحَدُّ عَدَدُه، فالخارِجونَ يَخرُجونَ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقةً تَتبَعُ إحداها الأُخرى.

ثُمَّ أُعيدَ الفِعلُ كامِلاً بَعدَ «أو»: «أوِ انفِروا جَميعاً»، فكُلُّ هَيئةٍ أمرٌ تامٌّ قائمٌ بِنَفسِه. والجَمعُ من ج-م-ع، ضَمُّ المُتَفَرِّقِ بَعضِه إلى بَعضٍ حتّى يَصيرَ جِسماً واحِداً، و«جَميعاً» تَصِفُ الخُروجَ في هَيئَتِه الثّانية: القَومُ كُلُّهُم يَنفِرونَ مَعاً. و«أو» تَضَعُ الهَيئَتَينِ جَنباً إلى جَنب، وتَترُكُ الاختِيارَ بَينَهُما مَفتوحاً. والهَيئَتانِ مَعَ اختِلافِهِما تَلتَقِيانِ في أمرٍ واحِد، فالثُّبةُ جَماعةٌ صَغيرة، و«جَميعاً» جَماعةٌ تامّة، والخُروجُ في الآيةِ خُروجُ جَماعةٍ في الحالَين: جَماعةٍ صَغيرةٍ تَتبَعُها أُخرى، أو جَماعةٍ تَضُمُّ الكُلّ. وتَرسُمُ الآيةُ التّاليةُ واحِداً من المُخاطَبينَ يُبَطِّئُ عن هذا النَّفر.


حَصيلة

تَفتَتِحُ الآيةُ نِداءً جَديداً لِلذينَ آمَنوا بِفِعلِ يَد: أن يَأخُذوا حِذرَهُم، فتَجعَلُ اليَقَظةَ، من ح-ذ-ر، شَيئاً يُتَناوَلُ ويُحمَل، وهي في لُغةِ السّورةِ غَيرُ السِّلاح، تُؤخَذُ مَعَه وتَبقى إذا وُضِع. ثُمَّ تُعقِبُها بِالنَّفر، من ن-ف-ر، اندِفاعاً يَنشَقُّ عن المَوضِعِ الذي كانوا فيه، وتَجعَلُ لَه هَيئَتَينِ يَفصِلُ بَينَهُما «أو»: «ثُباتٍ»، جَماعاتٍ تَتَتابَعُ من ث-ب-ي، وهو جِذرٌ غَيرُ ث-و-ب الذي مِنه ثُبةُ الحَوض، أو «جَميعاً»، جَماعةً واحِدةً من ج-م-ع. وفي الحالَينِ يَخرُجُ القَومُ جَماعة، واليَقَظةُ في أيديهِم قَبلَ الخُروج.