الإسراء · الآية 15

﴿مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا

«مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ»: الجَوابُ هو الشَّرطُ، وقد دَخَلَه حَصر

وهذه ثالِثةُ مَرّةٍ في هذه السّورةِ يُرَدُّ فيها الفِعلُ جَواباً لِنَفسِه، فقد جاءَ «أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ»، وجاءَ «عُدتُّمْ عُدْنَا»، ويَجيءُ هُنا «اهْتَدَىٰ … يَهْتَدِي»، ولا يُستَحدَثُ لِلجَزاءِ لَفظٌ سِوى لَفظِ العَمَل.

غَيرَ أنَّ الصّيغةَ تَبَدَّلَت، فهُناكَ «إنْ» وخِطابُ جَماعة، وهُنا «مَن» وإفرادٌ يَتَوَزَّعُ على كُلِّ واحِد، وهُناكَ ماضٍ في الطَّرَفَين، وهُنا ماضٍ ثُمَّ مُضارِعٌ يَستَمِرّ. وزيدَ حَرفانِ لم يَكونا: «فَإِنَّمَا»، والحَصرُ يُغلِقُ البابَ على وَجهٍ آخَر، فلا يَبقى لِلاهتِداءِ مَصرِفٌ سِوى صاحِبِه.

و«اهْتَدَىٰ» على وَزنِ افتَعَل، والفاعِلُ فيه يوقِعُ الفِعلَ في نَفسِه. والهُدى من ه-د-ي، وهو دَلالةٌ خافِتةٌ تَضبِطُ الوِجهةَ وتَسري مَعَ السّائِرِ بِلا دَفع، فالمُهتَدي أخَذَ العَلامةَ إلى داخِلِه، ولم يَنقُلْها إلى أحَد. ثُمَّ اللّامُ في «لِنَفْسِهِ»، وهي اللّامُ التي في «لِأَنفُسِكُمْ» قَبلَ ثَمانِ آيات.

«وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا»: الحَرفُ الذي تَبَدَّلَ وَحدَه

وهذا مَوضِعُ الوُقوفِ الطَّويل، فالسّابِعةُ جاءَت بِاللّامِ في الطَّرَفَين: «لِأَنفُسِكُمْ» و«فَلَهَا»، ولم تَأتِ بِـ«فعَلَيها»، وهذه تَأتي بِاللّامِ في طَرَفٍ وبِـ«على» في الآخَر. فهي سورةٌ واحِدةٌ تُعيدُ قانونَها بِحَرفَينِ مُختَلِفَين، فلا يُقالُ إنَّها كَرَّرَت، ولا إنَّها نَوَّعَت لِلتَّنويع.

وأوَّلُ ما يُلحَظُ أنَّ الطَّرَفَ الحَسَنَ لم يَتَحَرَّك، فاللّامُ في «لِأَنفُسِكُمْ» واللّامُ في «لِنَفْسِهِ». فالفَرقُ كُلُّه واقِعٌ في الطَّرَفِ الآخَر، إذ بَقِيَتِ الإساءةُ على اللّام، وانتَقَلَ الضَّلالُ إلى «على»، ومَحَلُّ السُّؤالِ ما الذي تَغَيَّرَ حتّى تَغَيَّرَ الحَرف.

والذي تَغَيَّرَ هو الفِعلُ نَفسُه، فـ«أَحْسَنتُمْ» و«أَسَأْتُمْ» على وَزنِ أفعَلَ، وهو يوقِعُ الشَّيءَ في غَيرِ فاعِلِه، وقد أظهَرَتِ السّورةُ الفِعلَ واقِعاً على غَيرِه في الآيةِ نَفسِها، ولم تَترُكْ ذلك لِلتَّقدير: لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾. فالإحسانُ والإساءةُ يَخرُجانِ من صاحِبِهِما ويَنزِلانِ بِسِواه، ولِذلك احتاجَ المَوضِعُ إلى اللّام، فهو عَمَلٌ رَآه صاحِبُه يُغادِرُه، فأُخبِرَ بِأنَّه لم يُغادِرْه، وأنَّه مَكتوبٌ بِاسمِه حَيثُما ذَهَب.

وأمّا «اهْتَدَىٰ» و«ضَلَّ» فلا يَخرُجانِ أصلاً، فالأوَّلُ افتِعالٌ يَرتَدُّ على فاعِلِه، والثّاني لازِمٌ لا يُقالُ لِأحَدٍ فيه: ضَلَلتُ فُلاناً، ولا أحَدَ يَضِلُّ في غَيرِه. فالمِلكِيّةُ هُنا خارِجةٌ عن مَحَلِّ السُّؤال، ولا يُحتاجُ إلى لامٍ تَرُدُّ ما لم يَبرَحْ. فلَمّا سَقَطَ سُؤالُ «لِمَن هو؟» فَرَغَ الحَرفُ لِسُؤالٍ آخَر، وهو كَيفَ يَستَقِرّ، فجاءَت «على»، وهي في هذه السّورةِ حَرفُ ما يَنزِلُ فَوقَ الرَّأسِ ويُثقِل: «بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ»، «الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ».

وزادَ الجَذرُ الأمرَ بَياناً، فالضَّلالُ مَكتوبٌ في المُعجَمِ بِما يُغني عن إعادَتِه، وهو اختِفاءٌ في انتِشار، كالماءِ يَضِلُّ في اللَّبَنِ فلا يُستَرَدّ. والفِعلُ في كَلامِ العَرَبِ يَنصِبُ المَفقود: ضَلَّ الطَّريقَ، أي خَسِرَه. وقد حَذَفَتِ الآيةُ المَفعولَ فلم تَذكُرْ ماذا فَقَد، ووَضَعَت مَكانَه مَن يَقَعُ عَلَيه، فالمَوضِعُ الذي يَنتَظِرُ فيه اللِّسانُ الشَّيءَ الضّائِعَ يَجِدُ فيه النَّفسَ مَحمولاً عَلَيها.

فما خَرَجَ من صاحِبِه رُدَّ إلَيه بِاللّام، وما لم يَخرُجْ مِنه وُضِعَ عَلَيه بِعَلى، وكِلا الحَرفَينِ يُفيدُ أنَّه لَه، أحَدُهُما يُفيدُه عُنواناً، والآخَرُ يُفيدُه ثِقَلاً.

«وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ»: الآيةُ تَشرَحُ حَرفَها بِجُملَتِها التّالِية

وهذا غَيرُ مُحتاجٍ إلى استِنباطٍ يُطلَبُ لَه دَليل، فالآيةُ تُتبِعُ «عَلَيْهَا» بِجُملةٍ كُلُّ ما فيها حَملٌ وحامِلٌ ومَحمول. والوِزرُ مَكتوبٌ في المُعجَم، وهو ثِقَلٌ يَتَّصِلُ بِصاحِبِه ويَجري مَعَه فلا يَنفَكّ، فالحَرفُ الذي وُضِعَ قَبلَ ذلك في الآيةِ نَفسِها هو الذي تُفَصِّلُه الجُملةُ بَعدَه.

وفيها ثَلاثُ كَلِماتٍ من جِذرٍ واحِدٍ في أربَع: «تَزِرُ» فِعلاً، و«وَازِرَةٌ» فاعِلاً، و«وِزْرَ» مَفعولاً، فالجَذرُ يَملَأُ الجُملةَ من طَرَفِها إلى طَرَفِها، ولا يَبقى فيها مَوضِعٌ لِغَيرِه. وعلى هذا النَّحوِ يُقالُ ما لا يُنقَل، بِلِسانٍ لا يُنقَلُ فيه شَيءٌ إلى خارِجِه.

والمَنفِيُّ مُحَدَّدٌ بِالضَّبط، فالآيةُ نَفَت أن تَحمِلَ حامِلةٌ وِزرَ أُخرى، ولم تَنفِ أن يوضَعَ الوِزر، فالمَنفِيُّ انتِقالُ الحِملِ من ظَهرٍ إلى ظَهر، دونَ زَوالِه عن ظَهرِه. وقد وُضِعَ في مَوضِعٍ آخَرَ من هذا الجَذرِ نَفسِه: وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾، فهو يوضَعُ عن الحامِلِ ولا يوضَعُ على سِواه.

«وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا»: شَرطٌ يوضَعُ على العَذابِ نَفسِه

وعُدِلَ عن «وما عَذَّبنا» إلى «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ»، فالمَنفِيُّ الكَونُ دونَ الفِعل، واسمُ الفاعِلِ دونَ الحَدَثِ المُفرَد. والفَرقُ أنَّ نَفيَ الفِعلِ يَنفي واقِعةً، ونَفيَ الوَصفِ يَنفي أن تَكونَ هذه صِفةً يُعرَفُ بِها، وصيغةُ «ما كانَ» تَمتَدُّ في الزَّمَنِ كُلِّه.

ثُمَّ «حَتَّىٰ»، وهي غايةٌ لا يَقَعُ قَبلَها شَيء، فالعَذابُ مَشروطٌ في نَفسِه، لا مُؤَجَّلٌ ولا مُخَفَّف. والشَّرطُ فِعلٌ من الجِهةِ التي تُعَذِّب، دونَ جِهةِ المُعَذَّب: «نَبْعَثَ».

وهذا الفِعلُ قد مَرَّ في هذه السّورةِ بِفاعِلِه نَفسِه: بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا﴾، فهُناكَ بَعثٌ ومَعَه «على»، وهُنا بَعثٌ بِلا «على»، والذي يُبعَثُ فَوقَ الرَّأسِ يَأخُذُ حَرفَ الثِّقَل، والذي يُبعَثُ قَبلَه لا يَأخُذُه. والرَّسولُ في جِذرِه ر-س-ل جَرَيانٌ مُنسابٌ يَتَعَلَّقُ بِغايَتِه، مُنطَلِقٌ من مَصدَرٍ لا يَقِفُ حتّى يَبلُغَ مَن أُرسِلَ إلَيه.

و«رَسُولًا» نَكِرة، بِلا اسمٍ ولا عَدَدٍ ولا قَوم، فتُذكَرُ الوَظيفةُ ويُترَكُ صاحِبُها فارِغاً، كما تُرِكَتِ القُرونُ بَعدَ آيَتَينِ بِلا عَدّ. والعَذابُ الذي يَنتَظِرُ رَسولاً غَيرُ عَذابِ مَن لم يُبلَّغ.


حَصيلة

يُعادُ القانونُ بَعدَ ثَمانِ آياتٍ بِحَرفٍ واحِدٍ مُبَدَّل، فالطَّرَفُ الحَسَنُ لم يَتَحَرَّك، لامٌ هُناكَ ولامٌ هُنا، والذي تَحَرَّكَ هو الطَّرَفُ الآخَر، لِأنَّ الفِعلَ تَحَرَّك. فالإحسانُ والإساءةُ يَقَعانِ في الغَير، وقد أظهَرَتِ السّورةُ ذلك بِعَينِه في «لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ»، فلَزِمَتِ اللّامُ لِتَرُدَّ ما ظُنَّ أنَّه ذَهَب. والاهتِداءُ والضَّلالُ لا يَقَعانِ إلّا في صاحِبِهِما، فسَقَطَ سُؤالُ المِلك، وفَرَغَ الحَرفُ لِيَدُلَّ على الهَيئة: «على»، وهي في هذه السّورةِ ما يَنزِلُ فَوقَ الرَّأسِ ويُثقِل. ثُمَّ لا تَدَعُ الآيةُ الحَرفَ يُفَسَّرُ من خارِجِها، فتُتبِعُه بِحامِلةٍ وحِملٍ وظَهرٍ لا يَنتَقِلُ إلَيه ثِقَلُ ظَهرٍ آخَر، في ثَلاثِ كَلِماتٍ من جِذرٍ واحِدٍ في أربَع. وخُتِمَت بِشَرطٍ يوضَعُ على العَذابِ في ذاتِه، وهو بَعثٌ بِلا «على» يَسبِقُ كُلَّ نُزول. فما خَرَجَ من صاحِبِه عادَ إلَيه عُنواناً، وما لم يَخرُجْ مِنه بَقِيَ عَلَيه ثِقَلاً، ولا ظَهرَ في الحالَينِ سِوى ظَهرِه.