الإسراء · الآية 21

﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا

«انظُرْ كَيْفَ»: أمرٌ بِالنَّظَرِ في الهَيئةِ لا في الخَبَر

لم يَقُلْ «انظُرْ أنّا فَضَّلْنا». قالَ «انظُرْ كَيْفَ». و«كيف» سُؤالٌ عن الهَيئةِ لا عن الوُقوع. فالقِسمةُ مُسَلَّمةٌ قَبلَ الأمر، والمَطلوبُ نَظَرٌ في شَكلِها. أنتَ لا تُدعى لِتُصادِقَ على التَّفاوُت؛ تُدعى لِتَرى كَيفَ صُنِع.

والضَّميرُ في «بَعْضَهُمْ» لا مَرجِعَ له في الآيةِ نَفسِها. يَعودُ إلى الفَريقَينِ اللَّذَينِ نَزَلَ العَطاءُ عَلَيهِما مَعاً قَبلَ سَطر: كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ﴾. فالمَمدودونَ جَميعاً هُمُ المَقسومون. الإمدادُ يَعُمُّ، والقِسمةُ تَقَعُ داخِلَ العُموم.

ولِذلك جاءَ الأمرُ بِالنَّظَرِ لا بِالحُكم. مَن حَكَمَ على القِسمةِ قَبلَ أن يَنظُرَ فيها، حَكَمَ على نِصفِها.

«فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ»: تَركيبٌ سَبَقَ أن قُرِئ

هذه الجُملةُ بِحَرفِها هي جُملةُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ في البَقَرة. والقِراءةُ مُسَجَّلةٌ هُناك ولا تُعادُ هُنا: بَعضانِ وبَينَهُما حَرف، والحَرفُ هو الذي يَحكُمُ على القِسمة، و«على» تَنقُلُ العَلاقةَ من التَّقابُلِ إلى الرُّتبة. والتَّفضيلُ يَتبَعُ القِسمةَ ولا يَسبِقُها: يُقسَمُ أوَّلاً ثُمَّ يُفَضَّل.

والجَديدُ في مَوضِعِنا هو المَقسوم. هُناكَ وَقَعَتِ القِسمةُ على الرُّسُل. هُنا تَقَعُ على الفَريقَينِ اللَّذَينِ أخَذا من عَطاءٍ واحِد. التَّركيبُ ثابِتٌ والمَحَلُّ يَتَبَدَّل، فيُعلَمُ أنَّ التَّبعيضَ صيغةٌ في الإعطاءِ نَفسِه لا حادِثةٌ في قَومٍ بِأعيانِهِم.

و«فَضَّلْنا» من ف-ض-ل: زِيادةٌ تَنفَرِجُ عن المِقدارِ وتَبقى مَحوزةً لِمَن انفَرَجَت له. فالتَّفضيلُ لَيسَ خَلقَ فَرقٍ من عَدَم، بَل وَضعُ فائِضٍ على أحَدِ شَطرَينِ قُطِعا أوَّلاً. لا فائِضَ قَبلَ قِسمة، ولا قِسمةَ بِغَيرِ جُملةٍ تُقسَم.

«أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا»: أكبَرُ مَرَّتَين، والتَّمييزُ يَختَلِف

لم تُقَلْ «أكبَرُ دَرَجاتٍ وتَفضيلاً» بِأكبَرَ واحِدةٍ تَعمَلُ في اسمَين. أُعيدَت «أَكْبَرُ» كامِلةً لِكُلِّ تَمييز. والتَّمييزانِ مُختَلِفانِ في نَوعِهِما: «دَرَجَاتٍ» جَمعٌ لِأعيانِ المَراتِب، و«تَفْضِيلًا» مَصدَرٌ لِفِعلِ التَّرتيبِ نَفسِه.

فالكِبَرُ الأوَّلُ في المَراقي: عَدَدُها وارتِفاعُها. والكِبَرُ الثّاني في الفِعلِ الذي يُرَتِّبُها: مِقدارُ ما بَينَ الدَّرَجةِ وأُختِها. السُّلَّمُ أطوَل، والمَسافةُ بَينَ العَتَبَتَينِ أوسَع. وقد جاءَت «دَرَجَاتٍ» نَكِرةً غَيرَ مَعدودة، فلا يُعطى لِلقارِئِ رَقمٌ يَقِفُ عِندَه.

واللّامُ في «وَلَلْآخِرَةُ» لامُ ابتِداءٍ تُثَبِّتُ الخَبَرَ قَبلَ أن يُقال. وهذا ما يَصنَعُه المَقطَعُ كُلُّه: يُقِرُّ التَّفاوُتَ الحاضِرَ ولا يُنكِرُه، ثُمَّ يَقيسُه بِمِسطَرةٍ أطوَلَ منه. مَن قاسَ الفَضلَ بِما بَينَ يَدَيه فقد قاسَه بِأقصَرِ السُّلَّمَين.


حَصيلة

يُؤمَرُ النّاظِرُ بِالنَّظَرِ في «كَيْفَ» لا في «أنَّ»، فالقِسمةُ واقِعةٌ والهَيئةُ هي المَطلوبة. والمَقسومونَ هُمُ المَمدودونَ جَميعاً، فالتَّبعيضُ يَقَعُ داخِلَ عَطاءٍ واحِدٍ لا خارِجَه، والتَّركيبُ المُعادُ بِحَرفِه من البَقَرةِ يَقولُ ما قالَه هُناك: «على» تُصَيِّرُ القِسمةَ رُتبةً، والتَّفضيلُ زِيادةٌ تُوضَعُ بَعدَ القَطعِ لا قَبلَه. ثُمَّ تُعادُ «أَكْبَرُ» مَرَّتَينِ لِتَمييزَينِ لا يَتَّحِدان: أكبَرُ في المَراقي، وأكبَرُ في الفِعلِ الذي يَرفَعُ بَعضَها فَوقَ بَعض. فالآخِرةُ لَيسَت مَحوَ التَّفاوُت، بل مَوضِعُه الأوسَع؛ والدُّنيا التي يُتَنازَعُ على دَرَجاتِها أدنى سُلَّمٍ في الدّار.